كما أنه يمتنع على أحد ممن ينشد قصيدة أن يجرى على لسانه فى أثنائها بيت مطابق لوزن القصيدة ، ولمعنى ما تقدم منها وهو ساه فيه.
وعند ذلك : فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ تلك السورة وإن كان فى الصلاة / والمشركون حوله من قريش فلما انتهى إلى قوله تعالى ( 03 ومناة الثالثة الأخرى ) (1) وعلم من قرب منه منهم أنه سيورد بعد ذلك ما يسؤهم فى آلهتهم ، فقال كالمعارض له «فإنهن عند الله من الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى» وظن السامعون لذلك ، أنه جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته عليه الصلاة والسلام طلبا لتغليطه ، وهو المراد من قوله تعالى ( 07 إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) (2) أى ألقى فى قلوب الناس التخويف لتلاوته ، وإضافة ما ليس منها إليها.
وإن سلمنا أن ذلك مما جرى على لسانه ، إلا أن المراد من قوله : «تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى : الملائكة. وقد كان ذلك قرآنا ، غير أنه لما توهم المشركون أن المراد به آلهتهم ؛ نسخت تلاوته.
وإن سلمنا أن المراد به اللات والعزى ، وأنه لم يكن قرآنا غير أنه قد قيل أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ القرآن على قريش توقف فى فصول الآيات وآتى بكلام آخر على سبيل الاحتجاج عليهم ، فلما تلى ( 06 أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى ) قال عليه الصلاة والسلام «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» مستفهما على سبيل الإنكار عليهم مع حذف الاستفهام ؛ فإنه جائز على ما سبق ، ولا يمتنع أن يكون ذلك فى الصلاة ؛ لأن الكلام ، فى الصلاة كان جائزا ، ونسخ بعد ذلك. هذا كله إن كان المراد من قوله تمنى التلاوة.
وإن كان المراد به الفكرة ، وتمنى القلب ، كان معنى قوله ( 04 ألقى الشيطان في أمنيته ): أنه يوسوس إليه عند تمنيه بالباطل ويحدثه بالمعاصي ، وقوله تعالى ( 05 فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) أى أنه يبطل ذلك ، ويذهبه عن قلبه بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان ، وذلك لا يدل على تحقق المعصية من النبي صلى الله عليه وسلم :