تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: حسين وصفي رضا

-----------------

<span class="footnote">

الأخبار والآراء

(درس على كتاب الدارس في المدارس) [1]

أيها السادة:

إن تاريخ كل أمة سواء كان مجيدا أو غير مجيد، لا يخلو مستقبله من ارتباط

بماضيه، لا من حيث التشابه بين طرفيه بل من حيث النتائج التي تترتب عليها

نهضة الأمم أحيانا وتغير مجرى الحياة الاجتماعية بأن تسرع بخطى الشعوب إلى

مراقي الصعود.

معناها إذا كان ماضي الأمة عظيما محترما في التاريخ، تحرص على أن

يكون أعظم احتراما في حاضرها، أو على أن تسترد ذلك الاحترام إذا فقدت شيئا

منه. وإذا كان ماضيها سيئا غير محترم في التاريخ تدأب على التخلص منه وتطلب

لنفسها حاضرا أسعد منه، فالنتيجة واحدة في الحالين ولكن لمن؟ ومن يتحصل

على مثل هذه النتيجة من الأمم؟

تتحصل عليه أمة تعلم أن لها تاريخا فتدرسه وماضيا فتبحث فيه وترجع إليه

لا سيما إذا كان تاريخا مجيدا له آثار معروفة في الوجود، وأثر محقق في الاجتماع

والأمة كالفرد فخورة بالماضي الجميل، إذا تمثل لها نفخ فيها من روحه فملأها

نشاطا ودفعها إلى الأمام أشواطا.

وإن أمة لا تعرف تاريخها فأحرى بها أن يتنكر لها الزمان، وتذري بها

الشعوب؛ لجهلها بماضيها وأن تنكرها الإنسانية وتنكرها السماء والأرض.

إن المدنية الإسلامية التي رفع منارها أسلافنا الطاهرون، وغيرت شكل

الأرض ومجرى الاجتماع، كان لمدينتكم هذه حظ وفير منها ولا سيما في التوفر

على إنشاء معاهد العلم ودور التربية والتهذيب.

هذا أيها السادة، ما دعاني لأن أقف بينكم خطيبا؛ أفتح صحيفة من ماضي

التاريخ فيما يتعلق بأسلافكم الغابرين ومدينتكم الفيحاء، وفيها ذكرى للذاكرين،

﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (الذاريات: 55) .

إن هذه الذكرى ما ترونه في هذا الكتاب الضخم المشتمل على ألف وثلاث مئة

وستين صحيفة؛ وهو كتاب (الدارس في المدارس) تأليف المؤرخ العلامة الشيخ

محمد بن محيي الدين النعيمي وهو خاص بما أنشئ من معاهد العلم والمساجد

ودور العجزة (التكايا) في دمشق، وقد بلغ عدد ذلك مئتين وبضعا وثمانين، لو

وزعت المدارس منها على السنين منذ إنشاء أول مدرسة في القرن الخامس أي سنة

ثلاث وتسعين وأربع مئة إلى عهد المؤلف في أوائل القرن العاشر؛ لأصاب دمشق

كل سنتين مدرسة تنشأ أو دار للعجزة والمرضى تشاد، هذا فضلا عما أنشئ من

المدارس بعد ذلك التاريخ، ولم يدركه المؤرخ المذكور، وهذا فهرست الكتاب نتلو

عليكم بعضا من أسماء المدارس التي جاءت فيه، ولا أطيل خوفا من ضيق الوقت.

أما تواريخ إنشاء هذه المدارس بالضبط، والأوقاف التي حبست على الطلبة

فيها، والعلماء الذين نبغوا منها ودرسوا فيها، كل هذا مذكور في صلب الكتاب،

وليس في الوقت متسع لتلاوته عليكم كما ترون من حجم الكتاب، وحسبكم أن ممن

درسوا في هذه المدارس وتولوا رياستها أو نبغوا فيها من علماء الشريعة مثل:

الحافظ الذهبي صاحب التاريخ المشهور، الإمام ابن تيمية صاحب التآليف

المشهورة، وقاضي القضاة صدر الدين الأوزاعي صاحب الجامع الصغير وغيرهم

من مشاهير العلماء، ومن علماء الطب مثل الرؤساء ابن أبي أصيبعة صاحب

تاريخ الأطباء، ومهذب الدين بن الحاجب ونجم الدين اللبودي وموفق الدين ابن

المطران ومهذب الدين الدخواز وعماد الدين الدنيسري وأضرابهم.

ومن علماء العقليات والرياضيات والموسيقى مثل محمد بن أبي الحكم الباهلي

وعز الدين السويدي وأبي الفضل الحارثي المهندس الذي كان باب البيمارستان

النوري القائم إلى اليوم من عمل يده وأضرابهم.

وها أنا ذا أقرأ لكم مثالا واحدا من ترجمة هؤلاء الرجال؛ فاسمعوا ما قال

تاريخ الدارس هذا في ترجمة أفضل الدين ابن أبي الحكم نقلا عن الصفدي قال:

(محمد بن عبد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي) ؛ هو أفضل الدين أبو

المجد ابن أبي الحكم من الحكماء المشهورين، كان طبيبا حاذقا، وله يد طولى في

الهندسة والنجوم (أي علم الفلك) ، وله في سائر الآلات المطربة يد عمالة وعمل

أرغنا وبالغ في إتقانه، وقرأ على والده وغيره في الطب، وكان في دولة نور

الدين بن الشهيد ولما عمر البيمارستان والمستشفى النوري بدمشق، جعل أمر الطب

فيه إليه، إلخ ما قال.

هؤلاء الرجال الذين ذكرتهم لكم، وهذا الفاضل الكبير منهم، وعدد كثير

مثلهم من أهل الشهرة بالعلم والفضل، درسوا في هذه المدارس أو تخرجوا على

رؤسائها ومشايخها، ثم ملؤوا المكتبة العربية بالمؤلفات النافعة في كل فن، ومن

راجع منكم كتاب الكواكب لابن عروة الحنبلي في أكثر من مئة مجلد، وتاريخ

الحافظ ابن عساكر في أكثر من عشرين مجلدا، وهما موجودان اليوم في المكتبة

العمومية في مدرسة الملك الظاهر بدمشق، وقاس عليهما ما ألفه علماء تلك القرون

الأفاضل؛ وما قبلها من الكتب في علوم الشريعة والأدب واللغة والتاريخ والتراجم

والفلك والطب والرياضيات كالهندسة والحساب وغير ذلك من العلوم، يعلم مقدار ما

لهذه المدارس ومؤسسيها من الفضل على الأمة، وما للنابغين فيها من الأثر العظيم

في الوجود بما سهروه من الليالي الطوال في التحرير والتحبير، وما عانوه من

النصب في وضع كتاب العلم لإفادة الناس، حتى ملؤوا بها المكاتب ونشروا العلم،

وما قولكم في أن عالما واحدا من علماء الطب؛ وهو موفق الدين بن المطران

المتوفى سنة سبع وثمانين وخمس مئة، ترك في مكتبته عشرة آلاف مجلد في

الطب والعلوم الحكمية كما ذكر ذلك ابن أبي أصيبعة في ترجمة ألموما إليه.

ولا يظنن أحدكم أن هذه المدارس كانت مدارس دينية فقط، وأن أكثر علمائها

وطلبتها من طلبة العلوم الشرعية وآلاتها.

كلا، فإن فيها مدارس لغير العلوم الشرعية كالطب مثلا، ومن هذه المدارس

المدرسة الدخوازية والدنيسرية واللبودية كما سترون ذلك فيما يأتي إن شاء الله.

فضلا عن هذا، فقد أخبرنا التاريخ أن معاهد العلم كانت مشاعا بين طلابه من

كل فن، وأن الطبيب أو الفلكي مثلا، كان يلقي دروسه في أي مدرسة كانت من

مدارس العلم له فيها وظيفة، بل في الجوامع والمساجد أيضا لأنها كانت قبل أن

توجد المدارس على شكلها المعهود؛ أي قبل القرن الرابع أشبه بمدارس للعلم، بل

هي المدارس عينها، ومازالت كذلك معاهد للعبادة والعلم معا إلى اليوم كما تعلمون.

وأذكر لكم مثلا واحدا على أن المدارس، كانت شائعة لطلاب كل علم ما نقله

ابن أبي أصيبعة في ترجمة رفيع الدين الجيلي قال: (وكان مقيما بدمشق وهو فقيه

في المدرسة العذراوية داخل باب النصر، وله مجلس للمشتغلين عليه في أنواع العلوم

والطب، وقرأت عليه شيئا في العلوم الحكمية) .

واعلموا أيها السادة أن كثيرا من علماء الشريعة مثل الجيلي، جمعوا بين

العلوم الشرعية والعقلية والطب والفلك والرضيات، وكلهم من خريجي هذه

المدارس بالضرورة، وممن جاء ذكرهم من هؤلاء في هذا التاريخ وأذكره مثالا

للباقين: أحمد بن الحسين الدمشقي، وإليكم ما جاء من ترجمته في هذا الكتاب نقلا

عن ابن كثير قال:

(الجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الدمشقي) اشتغل على مذهب

الشافعي، وبرع فيه وأفتى وأعاد، وكان فاضلا في الطب، وقد ولي مشيخة

الدخوازية (مدرسة طبية) ؛ لتقدمه في صناعة الطب على غيره، وعاد المرضى

بالبيمارستان النوري على قاعدة الأطباء، وكان مدرسا بالشافعية بالمدرسة

الفروخشاهية ومعيدا بعدة مدارس، إلخ ما قال.

هذا يدلكم على أن العلوم كانت مشاعا بين العلماء، وأن العالم بالشرع قد

يكون عالما بعلوم أخرى من العلوم النظرية والعملية؛ كالفلسفة والطب والموسيقى

والفلك والرياضيات، وغيرها من العلوم التي قامت على دعامتها المدنية الإسلامية،

وكانت الحلقة الوسطى بين المدنية القديمة والمدنية الحديثة حتى اعترف بفضله

على التمدن الغربي كثير من علماء التاريخ؛ كدربي ومنتسكيو وكوستاف لوبون،

وأفردوا للمدنية الإسلامية كتبا خاصة، أتوا فيها على ذكر ما تركه التمدن الإسلامي

من آثار الترقي والعلم التي يجهلها أهله لهذا العهد يا للأسف وللعار.

نحن الآن أيها السادة بصدد علماء دمشق في القرون الوسطى، وإنما هم حلقة

من سلسلة ذلك التمدن الإسلامي الذي أخنى عليه الزمان، وإذا سمحتم لي فإنني

أختم كلامي بنبذة من تاريخ تلك السلسلة بعد استبقاء الكلام على كتاب الدارس هذا

إن شاء الله.

(2)

علمنا مما سبق عدد المدارس ودور العجزة التي أنشئت في دمشق، ولكن من

الذي أنشأ هذه المدارس ورفع بنيانها، وأدر الخيرات عليها وأنفق من ماله على

طلابها، أهي الحكومة أو الأفراد أو الجماعات؟ .

بلغ بنا الضعف أن صرنا كالأطفال؛ نطلب كل شىء من الحكومة كما يطلب

الطفل كل شيء من والديه، أما أسلافنا فلم يكونوا كذلك، بل كانوا استقلاليين أكثر

منهم اتكاليين، يعرفون قيمة الاعتماد على النفس، فكان الفرد الواحد يقوم بما تقوم

به الجماعة، ولا يطلب من الحكومة أمرا، ولهذا فإن كل ما جاء ذكره في هذا

الكتاب من المساجد والتكايا والمدارس إنما أنشأه الأفراد، وقام بماله أهل السخاء

والجود من أسلافكم الطيبين لمحض الخير وإرادة نشر العلم وخدمة الوطن والدين.

لم يختص بهذا العمل الجليل والشرف الرفيع الملوك والأمراء وذوو السلطة

كما قد يتوهم البعض، كلا بل كان الأفراد من كل الطبقات من أهل اليسار يتسابقون

إلى تشييد المعاهد العلمية؛ حسبة لله وحبا بعمل الخير واستبقاء للذكر الحسن في

الوجود.

فالتجار والعلماء والسيدات هم الذين أسسوا هذه المدارس، كل مدرسة يؤسسها

شخص بمفرده، ويحبس عليه من ملكه ما يكفي ريعه لبقائها، بل أقول لكم والخجل

يكاد يمنعني من التكلم، والحزن يوشك أن يعقل لساني أن العبدان عبدان أسلافكم،

أيها السادة شيدوا بأموالهم بعض هذه المدارس ورفعوا منار العلم، فيا للفضيلة كم

ترفع العبدان إلى منزلة السادة في حين ينحط السادة إلى منزلة العبدان.

إن العبدان كانوا أرفع نفوسا وأسخى كفوفا منا الآن، يا للخجل والخسران.

إن الكلام وحده لا يغني عن برهان، وإنكم تنتظرون مني الدليل على هذا

البيان، وإليكم أمثلة من عمل العلماء والتجار والسيدات والعبدان.

قال المؤرخ في فصل عقده لمدراس الطب:

(المدرسة الطبية الدخوازية)

المدرسة الدخوازية بالصاغة العتيقة بقرب الخضراء قبلي الجامع الأموي،

أنشأها مهذب الدين عبد المنعم بن علم بن حامد المعروف بالدخواز في سنة إحدى

وعشرين وست مئة بالصاغة العتيقة كما تقدم، وأول من درس فيها واقفها، ثم من

بعده بدر الدين محمد بن قاضي بعلبك ثم عماد الدين الدنيسري وهو بها إلى

الآن إلخ.

(المدرسة الدنيسرية)

غربي البيمارستان النوري والصلاحية بآخر الطريق من قبله، قال الذهبي

في العبر في أخبار سنة ست وثماني وست مئة.

(عماد الدين أبو عبد الله محمد بن عباس الربعي، الرئيس الطبيب ولد

بدنيسر سنة ست مئة وسمع بمصر من علي بن مختار وجماعة وتفقه للشافعي،

وصحب البهاء زهيرا وتأدب به وصنف، إلى أن قال نقلا عن الآسدي (العماد

محمد بن عباس الحكيم البارع في الطب، صاحب المدرسة للأطباء بالقرب من

بيمارستان نورالدين الشهيد) إلخ.

(المدرسة اللبودية)

اللبودية النجمية مدرسة خارج البلد ملاصقة لبستان الفلك المشيري، أنشأها

نجم الدين يحيى بن محمد بن اللبودي في سنة أربع وستين وست مئة (إلى

أن قال نقلا عن ابن أبي أصيبعة) كان علامة وقته، وأفضل أهل زمانه في العلوم

الحكمية) .. إلخ

هذا عمل العلماء واسمعوا مثالا من عمل التجار عن سبيل الخير والعلم

والمنفعة العامة، لم يعمل مثله أحد من أغنياء هذا الزمان.

(المدرسة المزلقية)

المزلقية بطريق مقابر باب الصغير الآخذ إلى الصابونية، أنشأها تاجر

الخاص الشريف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي بكر المعروف بابن

المزلق ميلاده سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وكان أبوه لبانا أدركه جماعة، وهو

يباشر ملبنة عند جامع يلبغا فنشأ ولده هذا، ودخل في البحر، وحكى عن نفسه أن

أول سفرة سافرها كسب فيها مئة ألف دينار وثمان مئة درهم، وانفتحت عليه الدنيا

وعمر أملاكا كثيرة، وأنشأ على درب الشام إلى مصر خانات عظيمة بالقنيطرة

وجسر يعقوب والمنية وعيون التجار. أنفق على عمارها ما يزيد على مئة ألف

دينار وكل هذه الخانات فيها الماء، وجاءت في غاية الحسن ولم يسبقه أحد من

الملوك والخلفاء إلى مثل ذلك، وهو صاحب المآثر الحسنة بدرب الحجاز، ووقف

على سكان الحرمين الشريفين الأوقاف الكثيرة الحسنة، وعين للحجرة الشريفة -

على الحال بها أفضل الصلاة وأتم السلام - الشمع والزيت في كل عام إلى آخر ما

قال.

وهذا مثال آخر لتاجر غيره أيضا.

(المدرسة الرواحية)

شرقي مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقة شمالي جيرون وغربي

الدويلق وقبلي السيفية الحنبلية: قال ابن شداد بانيها زكي الدين أبوالقاسم التاجر

المعروف بابن رواحة وقال الذهبي في تاريخه العبر في من مات سنة اثنتين

وعشرين وست مئة (والزكي ابن رواحة هبة الله بن محمد الأنصاري التاجر

المعدل واقف المدرسة الرواحية بدمشق وأخرى بحلب) إلخ.

ومن أمثلة عمل النساء

(المدرسة العالمية)

العالمية شرقي الرباط الناصري غربي سفح قاسيون تحت جامع الأفرم،

واقفتها الشيخة الصالحة العالمة اللطيفة بنت الشيخ الناصح الحنبلي المتقدم ذكره في

المدرسة التي قبل هذه (وهي المدرسة الشيخية بانيها الشيخ أبو عمر الكبير)

وكانت فاضلة لها تصانيف، وهي التي أرشدت ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب

أخت الملك صلاح الدين إلى وقف المدرسة الصاحبية بقاسيون على الحنابلة إلخ

…

ومن أمثلة عمل العبدان

(المدرسة الصلومية)

الصارمية داخل باب النصر والجابية قبلي العذراوية بشرق، قال القاضي عز

الدين بانيها صارم الدين أزبك مملوك قايمازا النجيبي ورأيت مرسوما بعتبتها

ما صورته.

بسم الله الرحمن الرحيم

(هذا المكان المبارك إنشاء الطواشي الأجل صارم الدين جوهر بن عبد الله

الحر عتيق الست الكبيرة الجليلة عصمة الدين عذزى ابنة شاهنشاه رحمها الله تعالى

إلخ) .

أرأيتم أيها السادة، بماذا قامت هذه المدارس وبمن، وكيف أن الأفراد من

أسلافكم كانوا يعملون ما لا يعمله الجماعات منكم اليوم، إن الأفراد هم الذين

ينهضون بالأمم، وإن المدنية الأسلامية التي تلوت عليكم حلقة من سلسلتهاالعظيمة،

كان للأفراد شأن عظيم في وضع دعامتها وتشييد بنيانها.

تعلمون أيها السادة ما كان لترجمة كتب أهل التمدن القديم؛ كاليونان والفرس

إلى العربية؛ من الأثر الكبير في تأسيس المدنية الإسلامية في بغداد على عهد

الخلفاء العباسيين، وقد يتوهم البعض أن الذي عني بترجمة هذه الكتب إنما هم

الخلفاء وحدهم، وأخصهم أمير المؤمنين المأمون، والحال أن للكثير من الأفراد

ورجال الفضل والنبل من الأمة يدا لا تنكر في هذا السبيل.

وهذا يدلكم على أن عمل الأشخاص منفردين، لا يقل تأثيرا في الهيئة

الاجتماعية عن عملهم مجتمعين، ولذا لا أبالغ إن قلت: إن نوابغ الأمة الذين

خدموا بذكائهم وعلمهم المدنية وشيدوا أركانها الرفيعة، إنما قاموا بهذه

الخدمة، وقامت تلك المدنية بفضل أهل السخاء والجود من محبي العلم والترقي

وأنصار النجاح الذين كانوا ينفقون من مالهم على المترجمين للكتب العلمية إلى

اللغة العربية، ومن هؤلاء الأفاضل الأجواد الذين رصدوا جزءا كبيرا من أموالهم

على المترجمين للكتب العلمية في تلك العصور؛ علي بن عيسي العباسي ومحمد

بن موسى بن شاكر الرياضي الشهير، وعلي بن يحيى الكاتب وابن المدبر

الكاتب وثاوري الأسقف، ومحمد بن عبد الملك الزيات وبختشوع الطبيب والعدد

الكثير من أمثالهم المولعين بالترقي والعلم الذين كان ينفق كل واحد منهم أموالا

طائلة على نقلة العلوم إلى اللغة العربية، حتى لقد نقل ابن أبي أصيبعة عن محمد بن

عبد الملك الزيات أنه كان ينفق في الشهر الواحد على المترجمين ألف دينار،

قال هذا فضلا عما كان ينفقه الخلفاء من بني العباس لهذا القصد.

وإنا والله لنتمنى أن تجمع هذه الألف دينار في كل شهر من ألف غني من

أغنيائنا اليوم؛ لتنفق في سبيل نشر العلم وترقية الناشئة من أبناء الأوطان ولو فعلوا

ذلك اليوم لعوضها عليهم أبناؤهم أضعافا مضاعفة في الغد، بل لو فعل ذلك أهل كل

ولاية عثمانية لأصبحت المملكة العثمانية بعد عشرين سنة جنة قطوفها العلم

وسياجها القوة والحياة.

ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول:

يمثل هذا البذل على ترجمة كتب العلم ونشرها بين الكافة والاستفادة منها ظهر

أركان النهضة في الشرق الذين ارتفع بهم شأن التمدن الإسلامي، وذلك مثل بني

موسى بن شاكر المهندسين الرياضيين في عصرهم، وبني بختشوع وبني سهل

وبني ماسويه وبني حنين وبني ثابت بن قرة وبني زهرون وأبي عثمان الدمشقي

وابن كرنيب ويحيى بن عدي المنطقي وأبي الفرج الطبيب وأبي نصر الفارابي

والفخر الرازي وأضرابهم من العلماء الذين ظهروا في الشرق في عصور متفاوتة

إبان التمدن الإسلامي.

ومثل بني زهر ويحيى بن السمينة وأبي القاسم المرحيطي إمام الرياضيين

والفلكيين في عصره، وابن السمح الغرناطي المهندس وسعيد بن عبد ربه وأبي

جعفر الترحالي وأبي الوليد بن رشد وابنه محمد وأضرابهم ممن ظهروا كذلك في

الغرب.

ومثل ابن الهيثم البصري صاحب التأليف الغزيرة في الرياضيات والفلك

والمبشر بن فاتك وعلي بن رضوان وتلميذه إفرائم ابن الزفات والشيخ السديد

رئيس الأطباء شمس الرئاسة بن جميع الإسرائيلي، ورشيد الدين أبي خليقة

وأمثالهم ممن ظهروا في مصر.

كل هؤلاء من علماء الفلسفة والطب والرياضيات والحكمة الطبيعية وغيرها

من العلوم، ونسبتهم كنسبة واحد في المئة، ممن ظهروا في عصرهم وبعده في

الشام وبغداد ومصر وفارس والمغرب والروم أي آسيا الصغرى وغيرها من

الأمصار الإسلامية في الشرق والغرب، وإنما وضع لهم الأساس أفراد من الأمة

قدروا قدر العلم، فشيدوا معاهده وترجموا كتبه وأكرموا أهله، فتكون من عمل

أولئك وهؤلاء وتعاونهم جيلا بعد جيل بناء تلك المدنية العظيمة التي فقدناها بعد،

ولم نستطع اللحاق بأبناء التمدن الحديث؛ لإعراضنا عن العلم وغفلتنا عن تحدي

الأمم الراقية، وقبض أكفنا عن إمداد معاهد العلوم وتشييد دورها، مع أنا قد يطلب

منا الآن ونحن جماعات، فلا نجيب ما كان يعمله الأفراد من أسلافنا من تلقاء

أنفسهم وبمحض رغبتهم بالعلم والمعارف؛ وحبهم للارتقاء فما هذا الفرق العظيم.

وبالجملة أيها السادة: إننا أمة ذات ماض مجيد وتاريخ جميل، وقد ترك لنا

أسلافنا درسا لا يمحوه الزمان، وقد نقش في كل زاوية من المشرق ومكان، فلا

يبلغ بنا ضعف النظر أو ضعف القلوب والهمم وفساد الأخلاق، واستحالة الدم إلى

أن نتناساه، ولا نقرأ صحفه الزاهية التي يدعونا كل سطر منها إلى التذكر والتفكر

والسعي الحثيث إلى الترقي الذي مناطه العلم، والعلم يحتاج إلى المال، فالمال

المال، الكرم الكرم، الانتباه الانتباه، وإلا قضي علينا بالدمار، ولحق بنا العار،

وتبرأ منا أسلافنا الطاهرون، ولا يكون ذلك إن شاء الله ما دام فينا الكرام الغيورون

والرجال المفكرون والسلام عليكم.

***

(حياة الزيتونيين)

كتبت مقالة في المجلد الثاني عشر من المنار (ص65) عن إضراب

الأزهريين عن حضورهم دروسهم، إلا أن يجابوا إلى مطالب لهم طلبوهها،

وحبذت صنعهم ذاك وعددته نهضة لهم، وكان الكتاب يسمون عملهم اعتصابا.

ولكن تلك النهضة أو ذلك الاعتصاب كانت نتيجته الفشل؛ لأن مقدماته ألفت من

التنازع، ولأن أولي الأمر هنا رابهم أمر الأزهريين، وأكبروا مطالبتهم لهم بأن

يتوفروا على إصلاح حالهم فخذلوهم، وذلك شأن أرباب السلطة يزدرون طلاب

تغيير الحال، ويعدونهم من المجترمين المذنبين.

اعتصب الأزهريون في العام الماضي، وليست حالهم دون حال إخوانهم

الزيتونيين، بل ربما كانوا أرقى منهم، فكان من المنتظر أن ترن أصداء خطب

الأزهريين في جامع الزيتونة، فتزلزل قواعد الجمود وتتداعى لها أركان الخمول،

وشاء الله أن يحذو طلاب جامع الزيتونة حذو طلاب الجامع الأزهر في طلب

تغيير حال إلى ما هو أصلح للمآل وأنجح للأعمال، وإنما المدرستان أو الكليتان

تسيران على نمط واحد؛ هو ذاك الطراز القديم طراز الافتراضات، وكثرة

التمحل والتأويل فيها، حتى صارت العلوم في هذين المعهدين مناقشات نظرية

عقيمة، تؤخر على طلاب الدنيا ولا تلحق بأهل الدين.

صاح صائح التونسيين واعتلى خطيبهم المنبر؛ طالبا حياة جديدة تبعثره من

قبر الخمول والجمود، فأجفلت لصيحته قلوب واغتبطت أفئدة، وإنما أجفل أولئك

الذين يستطيعون انتياشه، ولكنهم لا يرضون منه إلا أن يبقى سادرا لاهيا،

ويحسبونه عاقا مارقا إذا تطال إلى المجد، وطمح إلى العلو والسمو.

لقد تفتحت مغالق قلوبنا؛ إذ حملت إلينا ريح الغرب أريج إخواننا الزيتونيين

الذين اعتصموا في مطالبهم بالأناة والصبر، وجنحوا للسكينة والحلم واستمسكوا

بالعروة الوثقى التي لا انفصام ولا خذلان لمن استمسك بها. تمثلناهم غادين رائحين،

ولهم من آداب الدين الحنيف وعظاته روادع من الأدب وزواجر من الحياء، ومن

سيرة أعلام قرطبة وأئمة بغداد وأدباء غرناطة درس حكيم، يهديهم إلى الطريقة

المثلى، فكنا نشعر بسرور لا يدانيه سرور، ونقول في أنفسنا: تالله لو أعطيت لهم

العلوم الصحيحة النافعة لفاق الخلف السلف، والله يؤتي فضله من يشاء، فهو لا

يختص بجيل ولا قبيل.

طال الأمد على سكون المسلمين وركونهم إلى مخلفات قرون الظلمات التي

ضعف فيها شأن العلم، وجمدوا على التقاليد الخلقة التي لا تنهض بها حجة، ولا

يقام عليها دليل، ولم تكن حالهم إذ أخذوها قضية مسلمة إلا كحال أولئك الذين

نزل فيهم قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ (الزخرف: 22) ولو رجعوا إلى تاريخ أسلافهم في عصور السعادة؛ لاحتذوا حذو

أولئك، ونبذوا طريقة هؤلاء ظهريا ويا بعد ما بينهما.

ولم يكن للمسلمين، وقد أحاطت بهم العظات، وطافت بهم النذور أن يرتضوا

لأنفسهم بقاء التسكع في دياجير الجهل، والتمرطل في حياض الخمول، وهم الذين

أرشدهم دينهم إلى الضرب في مناكب الأرض، والنظر في أسرار الكون والاعتبار

بتأريخ الأمم التي بادت وانقرضت؛ لكفرها بأنعم الله، وجعل العزة وصفا لأهل

دينه، لا تنفك عنهم ما داموا مؤمنين.

ليس بعجيب أن ينهض المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها؛ ما دام

القرآن الحكيم محفوظا في صدورهم، متناولا بين أيديهم؛ وهو الذي ينحي على

التقليد وأهله، ويستفز الهمم ويحدوا العزائم إلى طلب الآخرة بالعمل الصالح،

وطلب الدنيا بالسير في مناكبها وعلومها، إنما هي وسيلة موصلة إليهما، ليس

بعجيب أن ينهضوا، وإنما العجيب أن يلبثوا في عماية عن أمره ونهيه معرضين

عن نذره وعظاته؛ لذلك قلنا ولا نزال نقول: إن إصلاح المسلمين لا يأتي من ناحية

دينهم وعلمائه حملة القرآن، فنحن اليوم نقرظ عمل الزيتونيين، ونعده مبدأ حياة

جديدة ستكون زاخرة بالعلوم النافعة حافلة بالأعمال الرافعة - إن شاء الله تعالى -

ونثني على أولئك الزعماء الفضلاء الذين نظموا الاعتصاب، وساروا بهم على نهج

التؤدة والرزانة، ونحمد للحكومة جنوحها للين، وإجابتها لمطالب التونسيين، بعد

تلك الذبذبة والتغشم والإنذار والوعيد، وإحراجها صدر العدل بسجن فئة من زعماء

الطلاب، وإننا نقول الآن: عفا الله عما سلف، ونهنئ إخواننا الطلاب المجتهدين

بفوزهم وفلجهم، ونرجو أن تبقى نفوسهم دائما ظمأى إلى ما لم يأتوا من العلوم،

وأعيذهم أن يخدعوا بأماديح المادحين، ويركنوا إلى الغاشين المتفيهقين، فليس ما

أحرزوه هو كل الإصلاح، وإنما هو وشل من بحر، وعلى الله قصد السبيل،

ولعلنا نوفق لكتابة مقال مطول في هذا الموضوع.

... ... ... ... ... ... ... ... ... حسين وصفي رضا

-----------------

<span class="footnote">

(1) ألقى هذا الخطاب العلامة المؤرخ رفيق بك العظم في حفلة حافلة في مدينة دمشق أرصد ريعها لجمعية البعثات العلمية.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٣ · الصفحة ٦٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٣ · ص ٦٩٧