تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: صنعة الله أفندى ييكبولاط

-----------------

<span class="footnote">

الإسلام في البلاد المسيحية

[*]

كان المسلمون في الأزمنة الغابرة لا يقصدون البلاد المسيحية إلا للفتح

والاستيلاء عليها. وكان يندر جدا من يقصدها لغير هذا الغرض. والسبب في ذلك

أن حوائج المسلمين الدينية والاجتماعية والاقتصادية كانت تقضى على ما يرام في

غير بلادهم. ولذلك كان القاطنون في الديار المسيحية من المسلمين أندر من

الكبريت الأحمر مع وجود ملايين من المسيحيين في البلاد الإسلامية.

إن كثيرا من المسلمين أجلوا في العصور الماضية عن أوطانهم إلى البلاد

المسيحية جزاء لمطالبتهم بالاستقلال: من ذلك أن حكومة هولاندا أجلت في القرن

السادس عشر من آسيا الشرقية (من جزائر جاوه وبورنيو وصوماتره) عدة آلاف

من المسلمين المنتمين لجنس (ملايو) إلى كابلانده في جنوب إفريقية، وفي ذلك

العصر نفسه أرغمت الحكومة البولونية كثيرا من التتر على المهاجرة إلى بولونيا،

فبقايا هؤلاء وإن أضاعوا قوميتهم بمعناها الأوربي أي وإن نسوا لغتهم الأصلية

واستبدلوا بها لغة البلاد التي استوطنوها فإنهم لا يزالون يحتفظون بدينهم ويتمسكون

به شديد التمسك.

وأما اختلاط المسلمين بالمسيحيين بحسن اختيارهم وإرادتهم فقد بدأ منذ زمن

غير بعيد، ففي بادئ الأمر أخذ الطلاب المسلمون يقصدون أمريكا وإنكلترة وفرنسا

بقصد التعلم بمدارسها العالية، ثم اضطرت بعض الأحوال السياسية

والاقتصادية المسلمين أن يغادروا بلادهم ويهاجروا إلى أوربا أفواجا، فكان هذا

الاختلاط هو السبب الرئيسي لانتشار الإسلام في الممالك الغربية.

ويوجد الآن في ألمانيا رجل يسعى سعيا متواصلا إلى نشر الإسلام فيها ألا

وهو محمد عادل بك (اشميتس - دورمولين) ، وكان من أمره أنه قضى عشرين

عاما مهندسا في الشرق ثم انتحل الإسلام، وتزوج فتاة مسلمة من أسرة كبيرة، فلما

عاد إلى وطنه (ألمانيا) طفق يدأب على نشر الإسلام بين أهل وطنه والدفاع عنه

وعن المسلمين، فألف في ذلك مؤلفات عديدة من أشهرها (الإسلام) ، (في الحرم)

(الآستانة - بلدة الإسلام) وقد أثبت عادل بك في مؤلفاته هذه أن الإسلام قريب جدا

من النصرانية الحقيقة، وأن ما عليه العالم المسيحي الآن من التقاليد والعادات مفسدة

كبيرة ومدعاة إلى الشهوات البهيمية والفقر المدقع وغير ذلك من المصائب

والأمراض الاجتماعية.

ومن مشهوري الذين يجدون في نشر الإسلام في أوربا غير عادل بك عمر

رشيد بك وقرينته مادام (يلينافولاو) في مدينة مونخين.

وقد أسست في فرنسا في هذه الأيام الأخيرة جمعية (الأخوة الإسلامية) ومن

أعضائها الآنسة الفرنسية (عزيزة روشة لرون) التي انتحلت الإسلام منذ أربعة

أشهر، وهي تخدم في هذه الجمعية من غير ملل ولا ضجر، وقد أنشأت هذه الآنسة

مجلة سمتها (النظر إلى الشرق) مبدؤها تفهيم الإسلام للفرنسيين ومعاونة المسلمين

علي ارتقائهم وحضارتهم.

وأما البلاد الإنكليزية فإن انتشار الإسلام فيها أظهر وكلمته أعلى، وتوجد فيها

الآن جمعيات عديدة أشهرها (الأخوة الإسلامية) و (الهلال) و (اتحاد الإسلام)

أسسها المهاجرون إليها من مستملكات إنكلترة والذين انتحلوا الإسلام من الإنكليز

أنفسهم، وقد شيد باجتهاد هؤلاء جوامع فخمة في لندره وليفربول وغيرهما من

المدن الإنكليزية وأسست دواوين وملاجئ للأيتام وكتاتيب لتعليم الصبيان وأنشئت

عدة من الجرائد والمجلات.

وأعظم الجمعيات المتقدمة الذكر جمعية (اتحاد الإسلام) وهي تعد مركزا

لجميع مسلمي إنكلترة، ومن أهم مقاصدها معاونة المسلمين في ترقية شؤونهم

الاقتصادية وتهذيب أخلاقهم وترقية العلوم والمعارف في العالم الإسلامي، وهي تتخذ

التدابير اللازمة لمنع المعلومات الكاذبة عن المسلمين والإسلام في بلاد الغرب.

ومن أشهر أعضائها العاملين، محمد بن عبد الله المأمون السهروردي المحامي

الشهير وهو هندي الأصل، وقد ألف هذا الرجل مع حداثة سنه مؤلفات عديدة في

الإسلام باللغة الإنكليزية منها (أحاديث محمد) ، (أساس الحقوق الإسلامية) ،

(شكسبير وأدبيات الشرق) ، (لا إكراه في الإسلام) وغيرها، وهو يصدر

الآن مجلة تبحث في شؤون الإسلام والمسلمين.

ويمكنني أن أعد من الذين انتحلوا الإسلام وهم ينتسبون إلى الدوائر الكبيرة

هؤلاء: لورد استينلي عبد الهادي باركنيوسون من أعضاء مجلس أعيان إنكلترة،

مازوريا المحامي الشهير براونينغ، كاليت شالدراك، وغيرهم، ومن النساء: ما دام

ولباست من مشهورات عالمات الموسيقى، ومادام شاورنيت الرسامة، وميسس

بيبس، وغيرهن.

ومن أشهر هؤليا النساء مدام " كويليام " التي انتحلت الإسلام هي وأبناؤها

وبناتها جميعا، وقد عين أحد أبنائها وهو أحمد كويليام معتمدا سياسيا للدولة العلية

في ليفربول والآخر وهو عبد الله كويليام شيخ الإسلام في إنكلترة وهو ينشئ الآن

جريدة ومجلة أسبوعية، وله مؤلفات عديدة أشهرها (الدين الإسلامي) (التعصب

والمتعصبون) وغيرهما.

وهل كان يدور في خلد أحد أن الإسلام تخفق أعلامه في ربوع أمريكا؟ مع

أنه ليس فيها بأقل انتشار منه في أوربا وأن شيخ الإسلام في تلك البلاد محمد إسكندر

روفيل ووب، يدأب دائما في توسيع نطاق الإسلام هناك ويبذل نفسه ونفيسه في هذا

الشأن، وهو يرمي في خطبه ومحاضراته ومؤلفاته إلى غرض واحد وهو تفهيم

الإسلام للأمريكيين وتعريفهم سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وجريدته المسماة

(ته مسلم وورلد) في غاية الرواج والانتشار.

وقد أخذ مسلمو نيويورك في تشييد جامع فخم جدا في الأيام الأخيرة وليس

أمر الإسلام في أوستراليا مما يستهان به فقد أخذ في تشييد جامع ثان في

مدينة (آديلانيد) .

وخلاصة القول: إن الأمر الذي كنا نعده من قبيل المستحيل من قبل صار من

أقرب الممكنات، والذين كانوا يزعمون أن الإسلام لا يصلح أن يوضع في ميدان

الحياة أخذوا يتمسكون به ويقدمون النفس والنفيس في الذود عنه ونشره بين الأنام

فهذه الأمور هي أكبر برهان وأعظم دليل على أن الإسلام أكبر مساعد للحياة وأن له

قابلية عظيمة للانتشار.

-----------------

<span class="footnote">

(*) ترجمها بالعربية من جريدة (وقت) النافعة صنعة الله أفندي بيكبولاط من نوابغ الطلاب القازانيين بالأزهر وهي منقولة من جريدة (وبرلاندأوندماير) النمسية.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٣ · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٣ · ص ١٢٥