7 ربيع الأول - 1316ه
أغسطس - 1898م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
العلم والحرب
[*]
ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى ... ولكنها الأهواء عمت فأعمت
يلهج الناس في الشرق بأن العلم قد ركدت في هذا العصر ريحه، وخبت
مصابيحه، وأن الجهل قد عم بلاؤه، وحلكت ظلماؤه، فأصبح الناس في ظلمات لا
يبصرون فيها، وحيرة لا يهتدون معها، يلهجون بهذا ولا يحركون لسانا في البحث
عن إنارة الظلمة، وكشف الغمة، لاعتقادهم بأن سنة الله تعالى في الخلق أن يكون
دائما في تدل وهبوط، وأن هذا العصر هو الدور الأخير من عمر الدنيا، فلا جرم
أن أهله يكونون في الدرك الأسفل من الجهل والغباوة، والتواكل والتناوة (ترك
المذاكرة والمدارسة) ، وكذلك لهجهم واعتقادهم في الدين، يعترف كافتهم بأنه قد
تركت أحكامه، واشتبهت أعلامه، بل تصرح خطباء المسلمين على منابر مساجدهم
بأنه (لم يبق من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه) وأنه (عظم البلاء
واشتد على الناس الأمر، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر) ، وما
أشبه هاتا.
إن اعتقاد الناس بأن هذا من علامات الساعة ومن خصائص آخر الزمان قد
سهل على غويهم ارتكاب الفواحش، واجتراح السيئات، وأمسك لسان رشيدهم عن
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالعلماء (أكثرهم) يغشون مجالس الظلمة
والفساق ويعظمونهم ويمدحونهم ويعزونهم ويعززونهم ويغرونهم ويغرونهم، وإذا
استفتوهم في بعض المحظورات يفتونهم، فما بالك ببقية الناس، وسائر الأصناف
والأجناس، لكن الحالة السيئة التي انتهوا إليها من علم وعمل وعادات وتقاليد،
يحافظون عليها أشد المحافظة، وينكرون على من أخل بها أشد الإنكار، واخترع
الحذاء المعرف بالكندرة أو الجزمة، فقامت قيامة العلماء على محتذيها، وألفوا
الرسائل في إثبات أنها بدعة محرمة في الدين، ولا يزال فيهم من يتأثم من احتذائها
ويذم فاعله ويقدح في دينه (والذم والقدح من المحرمات إجماعا) ، ولو نظر هؤلاء
الغلاة إلى أشخاصهم لرأوها محاطة بأمثال هذه البدعة من قنازعهم وعماراتهم (ما
يلبس على الرأس) إلى أحذيتهم ونعالهم، ولو التفتوا إلى نفوسهم وأعمالها لرأوها
منغمسة في البدع الحقيقية، أشار بعض العلماء الواقفين على سير العلوم العارفين
بفن التعليم (البدجوجيا) إلى ترك قراءة الحواشي لطلبة العلم، فاضطرب لهذه
الإشارة كثير من علماء الأزهر، واستكبروا الأمر واستنكروه؛ لأنه مخالف لما
اعتادوه وألفوه، وهم يشاهدون البدع والمنكرات الحقيقية في أفضل عبادتهم في نفس
أزهرهم ولا ينبس أحد منهم ببنت شفة في الإنكار على فاعليها، على أن الحواشي
التي يتمسك بها جمهورهم الآن، بحجة أنها من آثار سلفهم - ليست مما يعرفه سلف
الأمة الصالح، وإنما هي من بدع الخلف السيئة، بدليل انحطاط العلم وضعفه بعد
شيوعها، كما يعرفه من له أدنى إلمام بالتاريخ، أنكرنا في جريدتنا على البدع
والأضاليل التي تحصل في الجامع الأحمدي أيام الاحتفال المسمى بالمولد في مصر،
فاهتزت لإنكارنا بلاد الشام، وأكبر الناس ذلك الإنكار، وما ذلك إلا لأن تلك
المنكرات صارت عادات راسخة، نعم إن قومنا أصبحوا ينكرون المعروف، إذا لم
يكن من المألوف، وينتصرون للمنكر، إذا اعتيد وتكرر، فكما أنكر علينا بعضهم
الكلام في منكرات الموالد من قبل، قام اليوم آخرون ينكرون علينا قاعدتين
صحيحتين وردتا في عرض كلامنا:
(إحداهما) : أن سنة الله تعالى في الخلق أن يكونوا دائما في ترق ونمو،
حتى يبلغ كل كماله، وأن الأمم التي تتدلى وتضوى فإنما ذلك لمرض ألم بها
فأضواها، أو ضغط طرأ عليها فدلاها.
(والثانية) : أن العلم والتعليم أفضل من الحرب والجهاد، وإننا ندع الكلام
في الأولى لعدد تال، ونتكلم على الثانية فنقول:
مهما أطلقنا العلم في مباحث التربية والتعليم فنريد به ما يهدي الناس إلى
سعادتهم الدنيوية والأخروية، فيدخل فيه علم العقائد وتهذيب الأخلاق، وإصلاح
الأعمال والفنون الحربية والسياسية والاقتصادية، وهو بهذا الإطلاق لا يرتاب في
تفضيله على كل شيء إلا عمي القلوب كمه البصائر، وكيف وإن الجهاد الذي
يغلطون بتفضيله على التعليم، لا يمكن أن يحصل بدون التعليم، بل أصل الدين
والإيمان علم مدون يؤخذ بالتعليم، وإذا كان العلم أفضل كل شيء - فتعليمه إفادة
للأفضل، كما قال الإمام الغزالي، والاشتغال بإفادة الأفضل أفضل من الاشتغال
بالفاضل والمفضول، فالعلم والتعليم أفضل الأعمال على الإطلاق، ومرتبة العلماء
المعلمين تلي مرتبة النبوة، كما ورد في الأخبار الكثيرة.
هذا أمر مجمع عليه إجماعا مؤيدا بالكتاب والسنة والقياس والشواهد العقلية،
نعم وقع الخلاف في المفاضلة بين العالم والشهيد، والجماهير على تفضيل الأول
لعموم الأدلة، ولحديث (يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجح مداد
العلماء) وأثر ابن مسعود (والذي نفسي بيده ليودن رجال - قتلوا في سبيل الله
شهداء - أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدا لم يولد عالما، وإنما
العلم بالتعلم) ومثل هذا الأثر له حكم المرفوع وأمثال هذا كثير وصرح بمضمونه
جماعة من أئمة العلم كالغزالي وغيره.
من نظر بعين البصيرة إلى مقاصد الشريعة علم أن الدين إنما ينتشر بالدعوة
والتبليغ، لا بالإكراه والإلزام ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: 256) ، ورأى أن الحرب شر عظيم، وأن الوحي لم يأذن بالجهاد إلا
بالضرورة، جريا على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، فالفضيلة فيه عرضية، لا
ذاتية، والضرورة بالنسبة للمدافعة عن الحق الذي يعتقد المجاهد فيه سعادته،
وسعادة البشر كلهم ظاهرة، وأما بالنسبة للمهاجمة وابتداء القتال، فالضرورة تعذر
نشر الحق وتهذيب الناس بالإرشاد والتعليم، قولا وعملا بدونه لأن ابتداء القتال
مشروط بعدم قبول المخالف الدخول في الذمة المعبر عنه بإعطاء الجزية التي هي
شرطه، فإذا قبل الدخول في الذمة يحرم قتاله؛ لأنه يطلع حينئذ على أحكام الدين،
وأخلاق أهله وأعمالهم وأحكامهم فإن راقت له واقتنع بحقيتها اتبعها عن رضى
وإذعان وإلا كان هو المقصر ولا تبعة علينا ببقائه على باطله، وعلينا أن نعامله
بالعدل ونساويه بالحقوق (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) {لا يضركم من ضل إذا
اهتديتم} (المائدة: 105) .
وأول ما نزل في الجهاد من الآيات مصرح بوصف المجاهدين بقوله تعالى:
{الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا
عن المنكر} (الحج: 41) ، وبأنه لولا إذن الله الناس بالمدافعة عن الحق لهدمت
صوامع العباد، وبيع النصارى، وصلوات اليهود (معابدهم) ومساجد المسلمين.
وقد أوردنا هذه الآيات بنصها في العدد الثاني والخامس، وأشرنا لما فيها من الحكمة.
لما كان المنتقدون علينا تفضيل التعليم على كل ما عداه جامدين على تقليد
الأوائل - أحببنا أن نذكر هنا نبذة في ذلك عن الإمام الغزالي فنقول:
بين هذا الإمام فضيلة العلم والتعليم والتعلم بالآيات والأخبار والآثار، ثم كتب
فصلا بين فيه ذلك بالشواهد العقلية ابتدأه بذكر معنى الفضيلة في نفسها، وقسم
الشيء النفيس المرغوب فيه إلى ثلاثة أقسام: ما يطلب لغيره كالنقود، وما يطلب
لذاته كسعادة الآخرة، وما يطلب لغيره ولذاته معا كسلامة البدن، ثم قال ما نصه:
وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه، فيكون مطلوبا لذاته
ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها، وذريعة إلى القرب من الله تعالى، ولا
يتوصل إليه إلا به، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية، وأفضل
الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يتوصل إلى
العمل إلا بالعلم، بكيفية العمل، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو إذا
أفضل الأعمال، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضا بشرف ثمرته، وقد
عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ
الأعلى هذا في الآخرة، وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم
الاحترام في الطباع، حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم
مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل البهيمة
بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتميز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها.
هذه فضيلة العلم مطلقا، ثم تختلف العلوم كما سيأتي بيانه وتتفاوت فضائلها
بتفاوتها. وأما فضيلة التعليم والتعلم، فظاهرة مما ذكرناه، فإن العلم إذا كان أفضل
الأمور كان تعلمه طلبا للأفضل، وكان تعليمه إفادة للأفضل، وبيانه أن مقاصد
الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة
الآخرة، وهي الآلة الموصلة إلى الله عز وجل لمن اتخذها آلة ومنزلا لا لمن يتخذها
مستقرا ووطنا، وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين، وأعمالهم وحرفهم
وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:
(أحدها) : أصول لا قوام للعالم دونها، وهي أربعة: الزراعة وهي للمطعم،
والحياكة وهي للملبس، والبناء وهو للمسكن، والسياسة وهي للتأليف والاجتماع،
والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها.
(الثاني) ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها، كالحدادة
فإنها تخدم الزراعة، وجملة من الصناعات بإعداد آلتها، وكالحلاجة والغزل فإنها
تخدم الحياكة بإعداد محلها.
(الثالث) ما هي متممة للأصول، ومزينة لها، كالطحن والخبز للزراعة
وكالقصارة والخياطة للحياكة، وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل
أجزاء الشخص بالإضافة إلى جملته، فإنها ثلاثة أضرب أيضا، إما أصول كالقلب
والكبد والدماغ، وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب، والأوردة
وأما مكملة لها ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين. وأشرف هذه الصناعات
أصولها وأشرف أصولها: السياسة بالتأليف والاستصلاح، ولذلك تستدعي هذه
الصناعة من الكمال، فيمن يتكفل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات، ولذلك
يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائر الصناع.
والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا
والآخرة على أربع مراتب:
(الأولى) وهي العليا: سياسة الأنبياء عليهم السلام، وحكمهم على الخاصة
والعامة جميعا في ظاهرهم وباطنهم.
(الثانية) : الخلفاء والملوك والسلاطين، وحكمهم على الخاصة والعامة
جميعا، ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم.
(الثالثة) : العلماء بالله وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء، وحكمهم على باطن
الخاصة فقط، ولا يرتفع فهم العامة إلى الاستفادة منهم، ولا تنتهي قوتهم إلى
التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع.
(الرابعة) : الوعاظ، وحكمهم على بواطن العوام فقط.
وأشرف هذه السياسات الأربع - بعد النبوة - إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس
عن الأخلاق المذمومة المهلكة، وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة، وهو
المراد بالتعليم.
وإنما قلنا: إن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات؛ لأن شرف الصناعة
يعرف بثلاثة أمور: إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل
العلوم العقلية على اللغوية؛ إذ تدرك الحكمة بالعقل، واللغة بالسمع، والعقل أشرف
من السمع، وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة، وإما
بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة؛ إذ محل أحدهما
الذهب، ومحل الآخر جلد الميتة، وليس يخفى أن العلوم الدينية - وهي فقه طريق
الآخرة - إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء، والعقل أشرف صفات الإنسان كما
سيأتي بيانه؛ إذ به تقبل أمانة الله، وبه يتوصل إلى جوار الله سبحانه، وأما عموم
النفع فلا يستراب فيه؛ فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة، وأما شرف المحل فكيف
يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على الأرض
جنس الإنس، وأشرف جزء من جوهر الإنسان قلبه، والمعلم مشتغل بتكميله
وتخليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل، فتعليم العلم من وجه عبادة
الله تعالى، ومن وجه خلافة الله تعالى، وهو من أجل خلافة الله تعالى، فإن الله
تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته، فهو كالخازن لأنفس
خزائنه، ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه، فأي رتبة أجل من
كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى، وسياقتهم
إلى جنة المأوى، جعلنا الله منهم بكرمه وصلى الله على كل عبد مصطفى. اه
-----------------
<span class="footnote">
(*) فاتحة العدد التاسع عشر الذي صدر في 7 ربيع سنة 1316.</span></span>