الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
مقتطفات من الجرائد
(تربية البنات)
نشرت جريدة (مصباح الشرق) الغراء في عددها الأخير ضمن رسالة مكاتبها
في الآستانة العلية الفقرة الآتية:
(كانت إحدى الجرائد في دار السعادة قد نشرت بروجرام مدرسة الألمان،
وذكرت أن المدرسة المذكورة مستعدة لقبول البنات المسلمات، ولما كان تعليم بنات
المسلمين في مدارس الأوربيين ممنوعا بمقتضى نظام الدولة عادت تلك الجريدة
فكذبت نفسها بنفسها) اه.
وخليق بالمصريين أن يتخذوا هذه القاعدة التي جعلتها الدولة العلية أساسا في
نظام التعليم منهجهم القويم في تربية بناتهم؛ لأن الحكمة في هذا الحظر ظاهرة لا
تكاد تخفى على عاقل.
ذلك أن الغرض الأول من تعليم البنات: تربية نفوسهن وتهذيب أخلاقهن،
وجعلهن صالحات لتربية أولادهن صغارا، وتدبير أمور منازلهن بما يضمن السعادة
والراحة في داخلية العائلات، وظاهر أن أشد التعاليم تأثيرا في النفوس -
وخصوصا نفوس النسوة - تعاليم الأديان القويمة الآمرة بالمعروف والناهية عن
المنكر، المعلمة أن القصد في النفقات فضيلة، وأن المبذرين كانوا إخوان الشياطين،
وأن الشيطان كان لربه كفورا، الباثة روح المحبة العائلية والحنان الوالدي،
الحاضة على حسن المعاملة واصطناع المعروف مع ذوي القربى والجيران، الملقنة
أن النظافة من الإيمان، وأن أشرف فضيلة للمرأة طهرها وحصانتها، ورعاية
حقوق زوجها كما ترعى حقوق الله عز وجل.
هذه هي التعاليم التي تجعل المرأة صالحة في بيتها، وأساس نظام العائلة،
وهي التعاليم التي خص الدين الإسلامي بأوفر حظ منها.
وما نكب المسلمون في جامعتهم إلا بعد ما نكبوا في نظام عائلاتهم بسبب
إهمال تربية المرأة الدينية الصحيحة النافعة.
فإذا أريد تعليم البنات - بعد ما أهمل أمرهن لقرون، فتناسين مبادئهن الدينية -
على نمط التعليم الإفرنجي، فقد جاء تعليمهن ضغثا على إبالة الذهن، إذ هن
يكرهن بعد ذلك جامعتهن ولا يهمهن شأنها، يكرهن عاداتهن الأولى، ويتبعن
العادات الجديدة، فلا يأتلفن بذلك مع بقية العنصر الذي نشأن منه، فلا يقوم معوج
للعادات القومية، ولا يمكن إرغام مخالطيهن على قبول ما لذ لهن، فيقع التنافر
الذي يفسد به نظام العائلات.
وبالله ماذا ينفع العائلة المصرية أن تربي بناتها في مدرسة أوروبية، فتستفيد
اللغات الأجنبية التي لا يمكن أن تخاطب إحداهن بها أمها وأباها، وربما أخواتها
وزوجها. وأن تتقن عمل الأزهار الصناعية، وكيف تلبس النطاق (البسط) الضيق
في خصرها وتضرب البيانو على أضبط نوتة (نقطة) من الألحان الإفرنجية. ثم
هي إذا رجعت إلى المنزل الذي نشأت منه وجدت من أهلها عالما غير العالم الذي
ألفته في المدرسة، ووقع التنازع بينه وبينها في كل شيء ألفت ضده، وكان منها
أن تمج وتبغض كل ما ألفوا وأحبوا دون أن تستطيع تغييرشيء من الوسط الذي عادت
إليه.
ألا يكون التعليم على هذه الحالة شقاء دائما للبنات، وبترا في العائلة، وبذر
شقاق بين بعض أفرادها والبعض الآخر لا يداوي جرحه غير أن تتزوج تلك الفتاة
المتعلمة في مدرسة أوروبية بمتعلم في مدرسة الفرير والجزويت، وتنشأ منهما عائلة
لا تعرف على أي دين هي، وربما أنكرت نسبتها لمصر لو وجدت إلى ذلك سبيلا؟
أو لم يكن الأوفق والأليق بأن تتعلم البنت تلك المبادئ الشريفة التي أشرنا إليها
لتعود إلى بيت أهلها مصلحة ما فسد من أموره بلا جفاء ولا نفور، ولتكون مثالا
صالحا لأخواتها، أما وربة بيت قادرة على إدارة شؤونه، فتكون كاليد الكريمة
لزوجها والقلب الرحيم لأولادها، والصدر الرحب للجار ذي القربى بلا أذى للجار
الجنب.
وإذا وجدت العائلة المصرية على هذا الأساس وجدت الجامعة المصرية كلها
على أشرف أساس، وعاشت سعيدة تحس بوجودها وتلتذ بنعيمها، وتلك الحياة الطيبة
التي يكون بها الإنسان إنسانا، وإنسان عينه قرير.
***
(اختراع عجيب لمعرض باريس)
شرعت إحدى الشركات بإنشاء قصر ذي خمسة وعشرين طبقة من الفولاذ
النقي المغطى بألواح زجاجية ذات ألوان شتى، وهو يدور على محور متين، بحيث
يتمكن جميع من يوجد في غرفه أن ينظروا غرائب المعرض وهم جلوس في نوافذه
وشرفاته، وسينار بأربعين ألف مصباح كهربائي، تنعكس أنوارها على زجاجه من
الداخل والخارج، وسيكون ارتفاعه 350 قدما، وهو على شكل هياكل الصينيين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (لبنان)
***
(جامع ليفربول)
جادت مناهل الحضرة السلطانية بإهداء شمعدانين من الفضة الخالصة المقدر
ثمنهما بمائتين وخمسين ليرة عثمانية للجامع الشريف الذي استشاده (كذا) المسلمون
في ليفربول، وقد جاء في أخبار المدينة المذكورة أن المسلمين القاطنين بها احتفلوا
احتفالا شائقا بوضع هذين الشمعدانين في المسجد المشار إليه، ثم رفعوا عريضة
شكر للأعتاب الملوكية لما أنعمت عليهم بهذا الأثر الملوكاني، لا زالت بيوت الدين
ودور الموحدين آهلة مزدانة بإحسان الحضرة السلطانية أيدها الله تعالى.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (طرابلس)
***
(الكتب والجرائد)
ذكرت جرائد دار السعادة أن نظارة البريد والبرق العلية قد أوعزت إلى جميع
إدارات البريد العثماني بأن تسلم الكتب والجرائد التي ترد إلى أصحابها للحال، لأن
في تأخيرها ضررا بينا لا يسوغ إتيانه، وقد قالت: إن النظارة المشار إليها طالما
أنذرت الإدارات بالجري، كما تقرر آنفا، فإذا حدث بأن تكرر وقوع مثل هذه
الأحوال فإن المسئولية ترجع إلى مديرية البريد، فتبوء بالعقاب الواجب.
(المنار)
إن إدارات البريد لا تفتأ تتلف الكتب والجرائد تارة، وتؤخر تسليمها لذويها
تارات، ما دامت تحت إدارة مراقبين جهلاء، وولاة وحكام عميان، يعتقدون أن
الحث على التربية والتعليم مضر بالدولة والأمة، وأن النهي عن البدع والمعاصي
مضر بالدين، وأن الحض على الاتفاق والائتلاف والتعاون على المنافع الوطنية
ومساعدة الحكومة على تعميم المعارف منبه للأفكار (وهو جرم عظيم) فسواء على
إدارات البريد في السلطنة أنذرتهم النظارة العليا في الآستانة أم لم تنذرهم. وما تغني
الآيات والنذر عن قوم لا يعقلون.
تقول النظارة: إذا تكرر هذا الجرم - وهو تأخير تسليم الكتب والجرائد إلى
أربابها من أي مديرية - فإن المسئولية ترجع على تلك المديرية بالعقاب الواجب.
فليت شعري من السائل ومن المعاقب؟ ليسأل لنا إدارة بريد دمشق الشام
لماذا حبس العدد السابع من المنار خمسة أيام بلياليها؟ ولماذا حبس العدد التاسع
منه نحو عشرة أيام ثم أعطي لذويه ممزق الغلف مقطع الحزم؟ ولماذا أعدم
العدد 18 و20 و21 بله غيرها من أعداد سابقة؟ وإنما طلبنا سؤال إدارة الشام
لأن خللها محدود، وذنبها معدود، أما إدارة بيروت فهي لا تسأل عما تفعل، لا يعبأ
الناس بالقول ولا بكتابة الأوامر والنواهي، فإذا عاقبت النظارة بعض المديرين
الخائنين يعتبر باقيهم ويسلكون طريق الاستقامة، فتعود للناس الثقة بهم - المفقودة
الآن - التي اضطرت العثمانيين، حتى أصدق المخلصين منهم للدولة العلية، إلى
إرسال الكتب والرسائل بالبرد الأجنبية ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ياليت إدارتي بريد
بيروت والشام كإدارتي بريد طرابلس الشام واللاذقية، وما كان أجدر موقع بيروت
المهم أن يكون مدير البريد فيه مثل سعيد بك مدير بريد طرابلس. لتبرهن النظارة
الكبرى على إتقان العمل بالعمل، لا بالقول الذي هو رماد يذر في العيون، ولتعلم
أنه إذا أمكن ذر الرماد في الأبصار، فلا يمكن ذره في البصائر والأفكار.
هذه نصيحة غيور يود أن لا ينسب لبريد دولته خلل ولا قصور، لكنه يعلم أن
الخلابة اللسانية غرور، لا تقنع سامعا ولا تخدع ناظرا، فإنما العبرة بالأعمال وعلى
الله الاتكال.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>