تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المذهبُ الثالثُ:

[من اشترط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة]

وهو رأيُ كثيرٍ مِن المُحدّثينَ: منهم الإمامُ أبو عبدِ اللهِ البُخَاريُّ، وشيخُهُ أبو الحَسنِ عليِّ بن المَدَينيِّ، وغيرُهما.

نقلَ ذلك عنهم القاضي أبو الفَضْل عِياضٌ وغيرُهُ.

وهو مذهبٌ مَتَوَسِّطٌ في اشتراطِ ثبوتِ السِّماعِ أو اللِّقاءِ في الجملةِ لا في حديثٍ حديثٍ.

وهذا هو الصَّحيحُ مِن مذاهبِ المُحدِّثينَ، وهو الذي يُعَضِّدُهُ النَظَرُ. فلا يُحمَلُ منه على الاتَّصالِ إلَّا ما كانَ بين مُتَعاصِرَيْنَ يُعلَمُ أنَّهما قدْ التقيَا مِن دهرِهِمَا مرةً فصاعدًا، وما لَمْ يُعرفْ ذلك فلا تَقومُ الحُجَّةُ منهُ إلَّا بما شَهِدَ له لفظُ السَّماعِ أو التَّحْديثِ أو ما أَشْبَهَهُمَا مِن الألفاظِ الصَّريحةِ إذا أخبرَ بهَا العدلُ عَن العدلِ.

وحُجَّةُ هذا المذهبِ أيضًا ما تَقَدَّمَ مِن إجماعِ جماهيرِ النَّقَلَةِ على

ص 52

قَبُولِ الإسنادِ المعنعَنِ وإِيدَاعِهِ في كُتُبِهِمْ التي اشْترطُوا فيها إيرادَ الصحيحَ مع مَا / تَقَرَّرَ مِن مذاهبِهِمْ أنَّ المُرْسَلَ لا تقومُ به حُجَّةٌ، وأنَّهم لا يُودِعُون فيها إلَّا ما اعْتقدُوا أنَّه مُسْنَدٌ.

قالَ أَبُو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ الحافظُ الإمامُ: «وجدتُ أَئِمَّةَ الحديثِ أجمعُوا على قَبولِ المعنعَنِ _لا خلافَ بينَهُمْ في ذلك_ إذا جمعَ شُرُوطًا ثلاثةً:

عدَالتَهُمْ، ولِقاءَ بعضِهِمْ لِبعضٍ مُجَالَسَةً ومُشَاهَدَةً، وبَرَاءَتَهُمْ مِن التَّدليسِ».

ص 53

قالَ أبو عمرٍو بنُ الصَّلاحِ الإِمامُ الناقدُ: «والاعتمادُ في الحُكمِ بالاتِّصالِ على مذهبِ الجمهورِ إنَّما هو على اللِّقاءِ والإدراكِ».

قلتُ: ولقد كانَ يَنبغي مِن حيثُ الاحتياطِ أنْ يُشترطَ تَحَقُّقُ السَّماعِ في الجملةِ لا مُطلقُ اللِّقاءِ، فكمْ مِنْ تَابعٍ لَقِيَ صَاحِبًا ولَمْ يَسمعْ منه، وكذلك مَن بعدَهم.

ويَنبغي أنْ يُحمَلَ قولُ البخاريِّ وابنِ المدينيِّ على أنَّهما يُريدَان بِاللِّقاءِ: السَّماع، وهذا الحَرْفُ لَمْ نَجِدْ عليه تَنصيصًا يُعتمَدُ، وإنَّما وُجِدَتْ ظَوَاهرُ مُحتملةٌ

ص 54

أنْ يَحصُلَ الاكتفاءُ عندَهم باللِّقاءِ المُحقَّقِ وإنْ لم يُذكَرْ سَماعٌ، وأنْ لا يَحْصُلَ الاكتفاءُ إلَّا بالسَّماعِ، وأنَّه الألْيَقُ بِتَحرِّيهِمَا والأقربُ إلى صَوبِ الصَّوابِ فيكونَ مُرَادَهُمَا باللِّقاءِ والسَّماعِ معنى واحدًا.

ص 55

وفي قولِ مسلمٍ حَاكيًا للقولِ الذي تَولَّى ردَّهُ _ما يقتضي الاكتفاءَ بِمجرَّدِ اللِّقاءِ؛ حيثُ قالَ في تَضاعِيفِ كلامِهِ: «ولَمْ نَجِدْ في شيءٍ مِن الرِّوَايَاتِ أنَّهما التَقَيَا قطُّ أو تشَافَهَا بِحَديثٍ» _ الفصل.

فظاهرُ هذا الكلامِ أَنَّ أحدَهُمُا / بدلٌ مِن الآخَرِ، وأنَّ «أو» لِلتَّقسيمِ؛ لَا بِمَعْنى الوَاوِ، وقد أتى به أيضًا في أَثناءِ كلامِهِ بالواوِ، فَقالَ: «وإنْ لَمْ يأتِ في خبرٍ قَطُّ أنَّهما اجْتمعا ولا تَشَافَهَا بِكلامٍ» وكرَّرَهُ أيضًا بالواوِ، فقال: «ثمَّ أَدْخَلْتَ فيه الشَّرْطَ فَقُلْتَ: حتَّى

ص 56

يُعْلَمَ أنَّهما قد كانَا قد الْتَقَيَا مرَّةً فصاعدًا وسَمِعَ منهُ شيئًا»، وهذا أَبْيَنُ أَلْفَاظِهِ.

وقال الحافظُ أبُو عبدِ اللهِ بنُ البَيِّعِ الحاكمُ في كتابِ «معرفة علوم الحديث» له، في النَّوعِ الحَادي عَشَرَ منهُ: «المعنعَنُ بِغيرِ تدليسٍ مُتَّصِلٌ بِإجماعِ أهلِ النَّقلِ على تَوَرُّعِ رُواتِهِ عَن التَّدليسِ».

وقالَ الفقيهُ المُحدِّثُ أبُو الحسنِ القَابسيُّ: وكذلك ما قالُوا فيه: «عن ... عن» فَهُو أيضًا مِنَ المُتَّصِلِ إذا عُرِفَ أنَّ ناقِلَهُ أدركَ المنقولَ عَنهُ إدراكًا بيِّنًا ولم يكنْ مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدليسِ».

قلتُ: وقولهُما معًا لا يَخْلُو مِن إجمالٍ، إذْ لا بُدَّ أنْ يكونَ مُرادُ الحاكمِ ثُبُوتَ المُعاصِرَةِ أو السَّماعِ، إذْ لا يُقْبَلُ معنعَنُ مَنْ لَمْ تَصِحَّ له مُعَاصَرَةٌ، فلا بدَّ مِن قيدٍ، وكأنَّه اكتفى عنهُ بِقولِهِ: «على تَوَرُّعِ رُواتِهِ عَن التَّدليسِ»،

وقد سبقَ له في كتابِهِ هذا، في النَّوعِ الرَّابعِ منه، في معرفةِ المَسانيدِ مِن الأحاديثِ، تَقِييدُ ذلك بما نصُّه: «والمسنَدُ مِن الحديثِ: أنْ يَرويَهُ المُحدِّثُ

ص 57

عَن شيخٍ يَظهرُ سماعُهُ منه بِسنٍّ مُحْتملَةٍ، وكذلك سماعُ شيخِهِ مِن شيخِهِ / إلى أنْ يَصِلَ الإسنادُ إلى صحابيٍّ مشهورٍ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم».

إلَّا أنَّ هذا الموضعَ مِن كتابِ الحاكمِ فيه اضطرابٌ بين رُوَاتِهِ، فرُوي كما ذكرناهُ: «بِسنٍّ محتَمِلَةٍ»، وعند ابن ِسَعدونَ: «بِسِنٍّ يَحتملُهُ».

والمعنىَ واحدٌ، أي: أنَّه يُكتفَى في ظهورِ السَّماعِ بِكَونِ السِّنِّ تَحتملُ اللِّقاءَ، ومعنى هذا يُكتفى بالمعاصرةِ، وإلى هذا المعنى ذهبَ مسلمٌ _رحمه الله_ حيث قالَ: «وذلك أنَّ القولَ الشَّائعَ المُتَّفقَ عليهِ بين أهلِ العلمِ بِالأخبارِ والرِّواياتِ قديمًا وحديثًا أنَّ كلَّ رجلٍ ثقةٍ رَوَى عن مِثلِهِ حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لِقاؤُهُ والسَّماعُ منهُ، لِكونِهِمَا جميعًا كانا في عصرٍ واحدٍ وإنْ لَمْ يأتِ في خَبَرٍ قطُّ أنَّهما اجْتَمَعَا ولا تَشَافَهَا بِكلامٍ، فالرِّوايةُ ثابتةٌ والحُجَّةُ بها لازمةٌ، إلَّا أنْ تكونَ هناكَ دَلالةٌ بيِّنةٌ أنَّ هذا الرَّاوي لَمْ يَلْقَ مَن رَوى عنهُ أو لم يَسْمَعْ منهُ شيئًا، فأمَّا والأمرُ مُبْهَمٌ على الإمكانِ الذي فسَّرْنَا، فالرِّوايةُ على السَّماعِ أبدًا حتىَّ تكونَ الدِّلالةُ التي بَيَّنَّا». انتهى.

ص 58

وإلى هذا المعنى أيضًا ذهبَ الحافظُ أبُو عَمرٍو المُقْرِئ الدَّاني في جُزْءٍ لهُ وضعَهُ في بيانِ المُتَّصِلِ والمُرْسَلِ والْمَوقُوفِ والمُنْقَطِعِ، فقال: «المسنَدُ مِن الآثارِ الذي لا إشكالَ في اتِّصالِهِ هو ما يَرْوِيهِ المُحدِّثُ عَن شيخٍ يَظْهَرُ سماعُهُ منه / بِسنٍّ يَحْتَمِلُهَا، وكذلك شيخُهُ عن شيخِهِ إلى أنْ يصِلَ الإسنادُ إلى الصَّحابيِّ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم».

فهذا مُوَافِقٌ ظاهرُهُ لِهَذِِهِ الرِّوايةِ، وقد يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ مُرَادُهُ بِقولِهِ: «يَظهرُ سماعُهُ بِسنٍّ تَحتَمِلُهُ» أي أنَّه: يُعْلَمُ السَّماعُ بقولِهِ، وتكونُ سِنُّهُ تُصَدِّقُ ذلك، والله أعلم.

و يُرْوَى أيضًا كلامُ الحاكمِ: «يَظْهَرُ سَمَاعُهُ منه ليس يَحتَمِلُهُ»، وهكذا قرأتُهُ بِخَطِّ خَلَفِ بنِ مُدبرٍ في أصلِهِ، وذكرَ في صدرِ كتابِهِ: أنَّه رَوَى الكتابَ عن البَاجِيِّ والعُذْرِيِّ وهذه الرِّوايةُ عندِي أَظْهَرُ، وعليها يدلُّ كلامُهُ بعدُ عند التَّمثيلِ، وظاهرُ الكلامِ أيضًا مُشْعِرٌ بِذلك مِن حيثُ قرينةِ المطابقةِ، حيثُ قالَ: «يَظْهَرُ سَمَاعُهُ» فهذا إثباتٌ لِظهورِ السَّماعِ ثمَّ أكَّدَ ذلك بِقولِهِ: «ليس يَحْتَمِلُهُ، فنفَى أنْ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الاحتمالِ مِن

ص 59

حيثُ المعاصَرةِ، بل لا بدَّ أنْ يكونَ السَّماعُ ظاهرًا معلومًا، والتَّمثيلُ يدلُّ على صحَّةِ هذا، فإنَّه قال:

ومثالُ ذلك ما حدَّثَنَا أبُو عَمرو عثمانُ بنُ أَحْمَدَ بنُِ السَّمَّاكِ بِبغدادَِ قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ مُكْرَمٍ قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ قال: حدَّثنا يُونسُ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيِهِ، أنَّه تَقَاضَى ابنَ أبِي حَدَرْدٍ دَيْنًا كانَ عليه في المسجدِ، فارتفعتْ أصواتُهُمَا حتىَّ سمعَهُ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فخرجَ حتىَّ كَشفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فقال: «يا كعبُ ضَعْ مِن دَيْنِكَ هذا»، وأشارَ/ إليه: أي الشَّطْرُ، قال: نَعَمْ، فقَضَاهُ.

قال الحاكمُ أبُو عبدِ الله: وبيانُ مثالِ ما ذَكَرْتُه أنَّ سَمَاعِي مِن ابنِ السَّمَّاكِ ظاهرٌ، وسَمَاعَهُ مِن الحسنِ بنِ مُكْرَمٍ ظاهرٌ، وكذلك سماعُ الحسنِ مِن عثمانَ بنِ عمرَ، وسماعُ عثمانَ مِن يونسَ بنِ يزيدَ _ وهو عالٍ لِعثمانَ _ ويونسُ معروفٌ بِالزُّهريِّ، وكذلك الزُّهريُّ بِبَنِي كعبِ بنِ مالكٍ، وبنو كعبٍ بِأبيهِمْ، وكعبٌ بِرسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وصُحْبَتِهِ، انتهى ما أَرَدْنَاهُ مِن كلامِ الحاكمِ.

وسَنَدُنا في كتابِ «معرفةُ علومِ الحديثِ» له مِن طريقِ ابنِ سعدونَ،

ص 60

هو ما أخبرَنَا به إجازةً شيخُنُا الأديبُ الكاتبُ أبو محمَّدٍ عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ هارونَ الطَّائِيُّ القُرْطُبِيُّ قال: أخبرنا القاضي أبو القاسمِ أحمدُ بنُ يزيدَ بنِ بَقِيٍّ إجازةً قال: أخبرنا الرَّاويةُ أبُو القاسمِ خَلَفُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ بَشْكُوَالٍ إجازةً قال: قرأتُهُ على القاضي أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي الخيرِ ونَاوَلَنِيهِ أبو بَحْرٍ الأَسَديُّ قالا: قرأناه على أبي عبدِ الله محمدِ بنِ سعدونَ القَرَوِيِّ قال: أخبرنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عليٍّ المُطَّوِّعِيُّ النَّيْسابُورِيُّ قال: أخبرنا مؤلِّفُهُ.

وسندُنَا فيه مِن طريقِ أبي الوليدِ الباجِيِّ: ما أجازَهُ لنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ أحمدَ ابنِ عبدِ الواحدِ المَقْدِسِيُّ، عن أبي طاهرٍ بَرَكاتِ بنِ إبراهيمَ بنِ طاهرٍ الدمشقيِّ إجازةً، عن الإمامِ أبي بكرٍ الطَّرْطُوشِيِّ كتابةً، عن أبي الوليدِ الباجِيِّ قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليٍّ المُطَّوِّعِيُّ النَّيسابوريُّ/: أخبرنا الحاكمُ.

وقد روينَاهُ أَعْلَى مِن هذا درجةً على عُلُوِّهِ، ولكنَّ المعارضةَ إنَّما حصلَتْ لنا بِهذينِ الطَّريقينِ، فلذلك اقْتصرْنا عليهما.

و أمَّا لفظُ القَابِسِيِّ: فيمكنُ أنْ يريدَ به ثبوتَ المعاصرةِ البيِّنةِ _وهو أَظْهَرُ احتمالَيْهِ فيه_ ويُمكن أنْ يريدَ طُولَ الصُّحبةِ، فيكونَ موافقًا لِمَا ذكرَه أبو المُظَفَّرُ السَّمْعَانيُّ.

وحكى ابنُ عبدِ البَرَّ عن جمهورِ أهلِ العلمِ أنَّه لا اعْتبارَ بالحروفِ والألفاظِ، وإنَّما هو باللِّقاءِ والمُجالسةِ والمُشاهدةِ.

ص 61

قال ابنُ الصَّلاحِ: يعني مع السَّلامةِ مِن التَّدليسِ.

هذا ما حَضَرَنا مِن النَّقلِ عن أَئِمَّةِ هذا الشَّأنِ.

و أمَّا مِن حيثُ النَّظرِ: فكانَ الأصلُ كما قدَّمْنَا: أنْ لا يُقْبَلَ إلَّا ما عُلِمَ فيه السَّماعُ حديثًا حديثًا عند مَنْ لا يقولُ بِالمرسَلِ؛ لاحْتمالِ الانفصالِ، إلَّا أنَّ علماءَ الحديثِ رَأَوْا أنَّ تَتَبُّعَ طلبِ لفظٍ صريحٍ في الاتصالِ يَعزُّ وجودُهُ، وأنَّه إذا ثَبَتَ اللقاءُ ظُنَّ معهُ السَّماعُ غالبًا، وأنَّ الأئمَّةَ مِن الصَّحابةِ والتابعينَ وتابعِهِمْ، فمَنْ بعدَهم اسْتَغْنَوْا كثيرًا بِلفظِ «عَن» في موضعِ «سمعْتُ» و «حدَّثنا» وغيرِهِمَا مِن الألفاظِ الصَّريحةِ في الاتِّصالِ اخْتصارًا، ولِمَا عُرِفَ مِن عُرْفِهِمُ الغالبِ في ذلك، وأنَّه لا يضعُهَا في مَحَلِّ الانقطاعِ عمَّن عُلِمَ سماعُهُ منه لغير ذلك الحديثِ بقصدِ الإيهامِ إلَّا مُدَلِّسٌ يُوهِمُ أنَّه سَمِعَ ما لَمْ يَسْمَعْ؛ أَنَفَةً مِن النُزُولِ، أو لِغير ذلك مِن الأغراضِ التي لا يَخْلُو أكثرُها / مِن كراهةٍ، فانْتَهَضَ ذلك مرجِّحًا لِقبولِ المعنعنِ عند ثبوتِ اللقاءِ.

لا يقالُ: إنَّ غير المدلِّسِ قد يَقولُ: «عن» في مَحلِّ الإرسالِ، ولا يُعَدُّ بذلك مدلِّسًا، لأنَّه قد عُلِمَ مِن مذهبِهِ أنَّه لا يُدلِّسُ، لأنَّا نقول في الجوابِ: إنَّ غيرَ المدلِّسِ لا يَفْعَلُهُ إلَّا فيما عُلِمَ أنَّه لم يَسْمَعْهُ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ المعاصرةِ، كمَا يقولُ التابعيُّ أو تابِعُهُ أو مَن بعدَهُمَا: رُوِيْنَا عن رسولِ الله

ص 62

صلَّى الله عليه وسلَّم كذا، فهذا معلومٌ أنَّه بلاغٌ فلا يُوهِمُ ذلك سماعًا، فعَدَلَ عن العُرْفِ إلى عامِّ اللُّغةِ مُكْتَفِيًا بِقرينةِ عدمِ اللِّقاءِ والسَّماعِ، كما عَدَلَ هناك إلى خاصِّ الاصطلاحِِ مُكْتَفِيًا بِقرينةِ معرفةِ السَّماعِ.

فإنْ قِيل: قد وُجِدَ الإرسالُ مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم ومِمَّن بعدهم، مِمَّن يُعْلَمُ أو يُظَنُّ أنَّهُ لا يدلِّسُ عمَّن لقيَهُ وسَمِعَ منه؟

قلْنَا: أمَّا حالُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في ذلك، الَّذِين وَجبتْ مُحَاشَاتُهُمْ عن قصدِ التَّدليسِ، فتَحتمِلُ وُجُوهًا:

منها: أنْ يكونُوا فَعَلُوا ذلك اعْتِمَادًا على عدالةِ جميعِهِمْ، فالمَخُوفُ في الإرسالِ قدْ أُمِنَ، يَدُلُّ على ذلك ما قالَهُ أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه؛ ذكرَ أبو بكرِ بنُ أبِي خَيْثَمَةَ في «تاريخه» قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ وهُدْبَةُ قالا: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن حُمَيْدٍ، أنَّ أنسًا حدَّثَهم بحديثٍ عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال له رجلٌ: أنت سمعتَهُ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟ فغضب غَضبًا شديدًا وقالَ: والله ما كلُّ ما نحدِّثُكم سَمِعْنَا / من رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؛ ولكنْ كانَ يُحَدِّثُ بعضُنَا بعضًا ولا يَتَّهِمُ بعضُنا بعضًا.

ص 63

قلْتُ: ولذلكَ قَبِلَ جُمهورُ المُحدِّثينَ؛ بَلْ جَميعُ المُتقدِّمين، وإِنَّما خالفَ في ذلكَ بعضُ مَن تَأَصَّلَ مِنَ المُحدِّثينَ المتأخِّرينَ مَراسلَ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم، وعلى القَبولِ مُحققُو الفقهاءِ والأَصليينَ.

ومِنها: أنْ يكونوا أتَوْا بلَفْظِ: «قالَ» أو «عن»، ولفظُ: «قال» أظهرُ. إذْ هو مَهْيَعُ الكلامِ قَبلَ أنْ يَغلِبَ العُرفُ في اسْتعمالِهِمَا للاتِّصالِ.

ومنها: أنْ يكونُوا فعلُوا ذلك عند حصولِ قرينةٍ مُفْهِمَةٍ للإرسالِ مع تَحَقُّقِ سلامةِ أغراضِهِمْ وارتفاعِهِمْ عن مقاصدِ المُدَلِّسينَ وأغراضِهِمْ.

و منها: أنْ يكونُوا أَتَوْا بِلفظٍ مُفْهِمٍ لذلك فاخْتَصَرَهُ مَن بعدَهم لِثقةِ جميعِهِم، ولعلَّ قولَ كثيرٍ مِن التَّابعينَ عمَّن يَرْوُونَ عنه مِن الصَّحابةِ: «يَنْمِي الحديثَ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم»، أو: «يَبْلُغُ به النَّبيَّ عليه السلام»، أو: «يَرْفَعُهُ»، أو ما أشبَهَ هذا مِن الألفاظِ عبارةٌ عن ذلك.

وأمَّا مَن سِوى الصَّحابةِ فإنَّما فَعَلَ ذلك مَن فَعَلَهُ منهم بِقرينةٍ مُفْهِمَةٍ للإرسالِ في ظَنِّهِ، وإلَّا عُدَّ مدلِّسًا.

ص 64

و أمَّا المعاصِرُ غيرُ المُلاَقِي إذا أَطْلَقَ: «عن» فالظاهرُ: أنَّه لا يُعَدُّ مُدَلِّسًا؛ بل هو أبعدُ عن التَّدليسِ؛ لأنَّه لم يُعْرَفْ له لقاءٌ ولا سماعٌ، بِخلافِ مَن عُلِمَ له لقاءٌ أو سماعٌ.

وبِالجملةِ: فلَوْلا ما فُهِمَ قصدُ الإيهامِ بِالإفهامِ مِن جماعةٍ مِن الأعلامِ ما جازَ أنْ يُنْسَبُوا إلى ذلك، ولَعُدُّوا مُرْسِلِينَ، كما عُدَّ مَنْ تُحُقِّقَ منه أنُّه لا يُدَلِّسُ / إذا أَرْسَلَ، ويرحمَ اللهُ إمامَ الأئمةِ وعالِم المدينةِ أبا عَبدِ اللهِ مالكَ بنَ أنسٍ حيثُ استعملَ لَفظَ «البلاغ» وجانبَ الألفاظَ المُوهمَةَ، فلِلَّهِ دَرُّهُ ما أَجْمَلَ مَقَاصِدَهُ وأَرْضَى مَذَاهِبَهُ.

هذا تقريرُ دَليلِ هذا المذهبِ وتَحريرُهُ، وهو أرجحُ المذاهبِ وأَوسطُهَا.

~ فلا تَغْلُ في شيءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذَمِيمُ

وقرَّر الحافظُ أبُو عَمرٍو النَّصْريُّ هذا الدليلَ بما لا يَسْلَمُ معه مِنَ الاعتراضِ ووُرُودِ النَّقْضِ، فإنَّه قال: «ومِن الحُجَّةِ في ذلك: أنَّه لو لم يكنْ قد سَمِعَهُ منه لكانَ بإطلاقِهِ الرِّوايةَ عنه مِن غيرِ ذكرِ الواسطةِ بينه وبينه مدلِّسًا، والظاَهرُ السَّلامةُ مِن وَصْمَةِ التَّدليسِ، والكلامُ فيمَن لم يُعْرَفْ باِلتَّدليسِ». انتهى

وهذا الذي قرَّرَه يَنْتَقِضُ بِأقوامٍ عَنْعَنُوا مُرسِلِينَ ولم يُعَدُّوا مدلِّسِينَ،

ص 65

كما ذكرَ مسلمٌ رحمه الله مِنْ أنَّ الأئمَّةَ الذين نقلُوا الأخبارَ كانتْ لهم تاراتٌ يُرْسِلُونَ فيها الحديثَ إرسالًا ولا يَذكرون مَنْ سمِعُوه منه، وتارةٌ يَنْشَطُونَ فيها فيُسْنِدُونَ الخبرَ على هيئةِ ما سَمِعُوا، فيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فيه إنْ نَزَلُوا و [1] بالصُّعودِ إنْ صَعَدُوا.

فإذا قُرِّر هذا الدليلُ كما قرَّرْناه نحنُ انزاحَ قولُ مَنْ قال: إنَّه لا يُقْبَلُ إلَّا ما نُصَّ فيه على السَّماعِ رجلًا رجلًا، وحديثًا حديثًا، محتجًّا بأنَّهم يَأْتُونَ بـ «عن» في موضعِ الإرسالِ والانقطاعِ، واضْمَحَلَّتْ / شبهتُهُ بما بيَّنَّاه مِنْ أنَّ غيرَ المدلِّسِ إنَّما يفعله حيثُ يُعْلَمُ منه أو يُفْهَمُ عنه أنَّه بلاغٌ لا سماعٌ، ومتى أَبْهَمَ فأَوْهَمَ قصدًا منه لذلك عُدَّ مدلِّسًا.

ولا يُخَلِّصُ الإمامَ أبَا عَمرٍو النَّصْريَّ مِن النَّقضِ الاحتراسُ بقولِهِ: «والكلامُ فيمَنْ لم يُعْرَفْ بِالتَّدليسِ» لأنَّا نقول: وكذلك فرضْنا نحن الكلامَ، إنَّما هو فيمَنْ لم يُعْرَفْ بالتَّدليسِ، أمَّا مَنْ عُرِفَ بالتَّدليسِ فمعرفتُهُ بذلك كافيةٌ في التَّوَقُّفِ في حديثِهِ حتىَّ يتبيَّنَ الأمرُ، وإنَّما اعْترضْنَا قولَهُ لأنَّه لو لم يكنْ قد سَمِعَه منه لكان بإطلاقِهِ الرِّوايةَ عنه مِنْ غيرِ ذكرِ الواسطةِ بينَهما مدلِّسًا، فإنَّ هذا لا يَلزمُ. لإمكانِ وسَطٍ بينَهما وهو كونُهُ مرسَلًا فليس بمجرَّدِ العنعَنةِ مِنْ غيرِ ذكرِ الواسطةِ يُعَدُّ مدلِّسًا؛ بل بقصدِ

ص 66

إيهامِ السَّماعِ فيما لم يَسْمَعْ، وكأنَّ الإمامَ أبَا عَمرٍو اسْتشعرَ النَّقضَ فَرَامَ الاحتراسَ منه بقولِهِ: «والكلامُ فيمَنْ لم يُعْرَفْ بالتَّدليسِ»، ومع ذلك فيصحُّ أنْ يُقالَ: لا يَلزمُ مِن قولِهِ: «لم يُعرَف بالتَّدليسِ» أنْ يُعرَف بالسَّلامةِ منه، بل الأمرُ مُحْتَمِلٌ، لكنْ حُمِلَ على السَّلامةِ لأنَّها الغالبُ، وهو الذي أرادَ الإمامُ أبو عَمرٍو بقولِهِ: والظَّاهرُ السَّلامةُ مِن وَصْمَةِ التَّدليسِ.

هذا هو الفَيْصَلُ في هذه المسألةِ، وهذه نُكْتَةٌ نفيسةٌ تَكشِف لك حجابَ الإشكالِ، وتوضِّح الفرقَ بَيْنَ مَنْ عنعَن فعُدَّ مرسِلًا، ومَنْ عنعن فعُدَّ مدلِّسًا.

وقد أتى مسلمٌ _رحمه الله_ بأمثلةٍ مِنْ ذلك، نتكلُّم عليها بعدُ _ إنْ شاء الله _ في الدَّليلِ الثَّانِي مِن البابِ الثَّانِي بما يَفتَح الله تعالى به فهو الفتَّاحُ العليمُ.

[1] كتب في المتن: أو، و، معًا.

الأئمة الخمسة · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأئمة الخمسةص ٩