فَالمذهبُ الأولُ:
[مَن لم يعتبر الحديث المعنعن متصلًا إلَّا إن نص على السماع أو علم من طريق أخرى]
مذهبُ أهلِ التَّشْديدِ، وهو أَن لا يُعَدَّ متصلًا منَ الحديثِ إلَّا ما نُصَّ فِيهِ على السِّماعِ أَو حَصُلَ العلمُ بهِ من طريقٍ آخرَ، وأنَّ ما قِيلَ فيه:
ص 43
«فلانٌ عن فلانٍ» فَهو مِن قَبِيلِ المُرْسَلِ أَوِ المُنْقَطِعِ حتىَّ يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ.
حكاهُ الإمامُ أبُو عَمرٍو النَّصريُّ الشَّهْرَزُوريُّ _شُهِرَ بابْنِ الصَّلاحِ_ أحدُ الأَئِمَّةِ المُتَأَخِّرِيْنَ المُعتَمَدِيْنَ، ولَمْ يُسَمَّ قائلُهُ؛ ولَفْظُ مَا حَكَاهُ: «فلانٌ عن فلانٍ، عدَّه بعضُ الناسِ من قَبِيلِ المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ حتىَّ يَتَبَيَّنَ اتِّصالُهُ بِغَيْرِهِ».
وهَذا المذهبُ وإنْ قَلَّ القَائلُ بِهِ بِحيثُ / لا يُسَمَّى ولا يُعْلَمَ فهُو الأصلُ الذي كان يقتضِيهِ الاحتياطُ، وحُجَّتُه أنَّ: «عن» لا تَقتَضي اتَّصالًا لا لُغَةً ولا عُرْفًا، وإِنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ فيها اتِّصالًا لغةً فإنَّما ذلك بمحلِّ المُجاوزَةِ المأخوذِ عنه.
ص 44
تقول: «أُخِذَ هذا عن فلانٍ»، فَالأخَذُ [1] حَصَلَ مُتَّصِلًا بالمَحِلِّ المأخوذِ عنه، ولَيس فيها دليلٌ على اتِّصالِ الرَّاوِي بالمَرْوِيِّ عنه، وَمَا عُلِمَ مِنْهم أنَّهم يَأْتُونَ بـ «عن» في موضعِ الإِرسالِ والانقطاعِ يَخْرُمُ ادِّعاءَ الْعُرْفِ،
وإذَا أَشكلَ الأمرُ وجب أنْ يُحكمَ بالإرسالِ؛ لأنَّه أَدْوَنُ الحَالاتِ، فكأنَّه أَخْذٌ بِأقلِّ ما يصحُّ حَملُ اللفظِ عليه.
وكَانَ يَنبغي لصاحبِ هذا المذهبِ أن لا يقول وجب الحكم بِالإِرسالِ؛ بل بالتَّوقُّفِ [2] حتىَّ يَتَبَيَّنَ؛ لمكانِ الاحتمالِ. [3]
و لعلَّ ذلك مُرَادُهُ، وهو الذي نَقَلَهُ مسلمٌ عن أهلِ هذا المذهبِ: أنَّهم يَقِفُونَ الخَبَرَ، ولا يكون عندهم موضع حجةٍ لإمكانِ الإرسالِ فيه، وإنَّ هذا القصدَ ليَلُوحُ مِن قولِ هذا القَائلِ حتىَّ يَتَبَيَّنَ اتِّصالُهُ بِغَيْرِهِ، ولكنَّ صدرَ الكلامِ يَأبَاهُ؛ لِقولِهِ: «عَدَّهُ بعضُ الناسِ مِن قَبيلِ المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ».
ص 45
وكأنَّ / في ربْطِ العَجُزِ بالصَّدرِ تَنَافُرًا ما، إلَّا أنَّ هذا المَذهبَ رَفَضَهُ جُمْهُورُ المحدِّثينَ؛ بل جميعُهُمْ، وهو الذي لا إشكالَ في أنَّ أحدًا مِن أَئِمَّةِ السَّلفِ مِمَّنْ يستعملُ الأخبارَ _كَما قال مسلمٌ رحمه الله_ ويَتَفَقَّدُ صحةَ الأسانيدِ وسُقْمِهَا مثلُ أيوبَ السَّخْتِيَانيِّ وابنِ عونٍ ومالكٍ وشعبةَ بنِ الحجَّاجِ، ومَن سمَّى مَعَهُمْ لا يَشترِطُهُ ولا يَبحثُ عنهُ، ولَوِ اشْتَرَطَ
ص 46
ذلك لَضَاقَ الأَمَرُ جدًا، ولم يَتَحَصَّلْ مِنَ السُّنةِ إلَّا النَّزْرُ اليَسيرُ، فكأنَّ الله تعالى أتَاحَ الإجماعَ عِصْمةً لذلكَ، وتَوسعةً علينَا، والحمدُ للهِ.
فهذَا المذهبُ المَجهولُ قائلُهُ لا يُعَرَّجُ عليه ولا يَلْتَفِتُ اللِّيتُ [4] إليه، وقد تَولَّى الإمامُ أبُو عمرٍو النصريُّ ردَّ هذا المذهبِ الذي حكاهُ، وقال: «إنَّ الصَّحيحَ والذي عليه العملُ: أنَّه مِن قَبِيلِ الإسنادِ المُتَّصلِ».
قال: «وإِلَى هذا ذهبَ الجماهيرُ مِن أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وغيرِهِم، وأَوْدَعَهُ
ص 47
المُشْتَرِطُونَ للصَّحيحِ في تَصَانِيفِهِمْ فِيهِ وقَبِلُوهُ».
وقد نَقَلَ أيضًا هذا المَذهبَ مُبْهِمًا لِقائلِهِ: أبُو محمَّدٍ بنُ خلَّادٍ في كِتابِ «الفاصل» لَهُ.
أخبرنا أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ عبدِ الخالقِ بنِ طَرْخَانَ السَّخَوِيُّ سماعًا عليه بثَغْرِ الإسكندريَّةِ قالَ: أخبرنا القاضي أبُو طالبٍ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحسينِ بنِ عبدِ المَجِيدِ الكِنْدِيُّ _ شُهِرَ بِابْنِ حديدٍ _ سماعًا عليه قال: أخبرنا الإمامُ أبو طاهرٍ السِّلَفِيُّ سماعًا عليه قال: أخبرنا أبو الحسينِ المباركُ بنُ عبدِ الجبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ ببغدادَ قراءةً قيل له: أخبرَكم أبُو / الحسنِ عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عليٍّ الفَّالِيُّ بِقراءتِكَ عليه فأَقرَّ به قال: أخبرنا القاضي أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خَرْبَانَ النَّهاونديُّ قال: أخبرنا القاضي أبو محمَّدٍ الحسنُ بنُ عبدِ الرّحمنِ بنِ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ قال: قال بعضُ المتأخرينَ مِن الفقهاءِ: كلُّ مَنْ رَوَى مِن أخبارِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم خبرًا فَلَمْ يَقُلْ فيه: سمعتُهُ، ولاَ: حدثَنَا، ولا: أنبأَنَا، ولاَ:
ص 48
أخبرنا، ولا لفظةً تُوجِبُ صحّةَ الرِّوايةِ، إمَّا بِسماعٍ أو غيرِهِ ممَّا يقومُ مقامَهُ فَغيرُ واجبٍ أنْ يُحْكَمَ بِخَبَرِهِ، وإذا قالَ: حدَّثنا أو أخبرنا فلانٌ عن فلانٍ، ولم يَقُلْ حدَّثنا فلانٌ أنَّ فلانًا حدَّثَهُ، ولا ما يقومُ مقامَ هذا مِنَ الألفاظِ، احْتُمِلَ أنْ يكونَ بين فلانٍ الذي حدَّثَهُ وبين فلانٍ الثَّانِي رجلٌ آخَرُ لَمْ يُسَمِّهِ، لأنَّه ليسَ بمنكَرٍ أنْ يقولَ قائلٌ: حُدِّثْنَا عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بكذا وكذا، وفلانٌ حَدَّثَنَا عن مالكٍ والشَّافِعِيِّ، وسواءٌ قيلَ ذلك مِمَّنْ عُلِمَ أنَّ المخاطَبَ لَمْ يَرَهُ أو مِمَّنْ لَمْ يُعْلَمْ ذلك منهُ، لأنَّ معنى قولِهِ: «عَنْ» إنَّما هو أنَّ ردَّ الحديثِ إليهِ، وهذا سائغٌ في اللُّغةِ، مُسْتَعْمَلٌ بين النَّاسِ، قال: وهذا هو العلَّةُ في المَرَاسِلِ. قال: وقد نَظَمَ هذا بعضُ المتأخَّرينَ شِعْرًا فقال:
~ يَتَأَدَّى إِليَّ عنْكَ مَلِيحٌ مِنْ حديثٍ وبارعٌ مِنْ بَيَانِ
~ فَلِهذا اشْتَهَتْ حديثَكَ أُذْنَا يَ وليسَ الإخبارُ مثلَ العَيَانِ
~ بينَ قولِ الفقيهِ: حدَّثَنَا سُفْـ يانُ فَرْقٌ وبَيْنَ عَنْ سُفْيَانِ
/ انتهى كلامُ ابنِ خَلَّادٍ.
وقدْ رَدَدْنَا هذا المذهبَ بِمَا فيه الكفايةُ، وإذْ بَانَ أنَّه قولٌ لِبعضِ الفقهاءِ
ص 49
المُتأخَّرينَ فهو مَسبوقٌ بإِجماعِ علماءِ الشأنِ، والله المُوَفِّقُ.
وقد بَيَّن ذلك أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ بِمَا حكاهُ مِن الإجماعِ بعد أنْ ذكرَ بِإِسنادٍ عن وكيعٍ قال: قال شُعبةُ: «فلانٌ عن فلانٍ ليس بِحديثٍ». قال وكيعٌ: وقال سُفيانٌ: «هو حديثٌ». قال أبو عُمرَ: «ثمَّ إنَّ شُعبةَ انصرفَ عن هذا إلى قول سُفيانَ».
قلتُ: وما نَقَلَهُ مسلمٌ _رحمهُ الله_ عن العلماءِ الذين سَمَّى _ومِن جملتِهِمْ شُعبةُ_ مِن أنَّهم لا يَتَفَقَّدُون ذلك. يَدُلُّكُ أيضًا على رجوعِ شُعبةَ كمَا ذكرَ أبو عُمَرَ.
فقدْ بَانَ أنَّه لا يُعْلَمُ لِمُتَقَدِّمٍ فِيهِ خلافٌ إذا جمعَ رُوَاتُهُ العَدَالةَ واللِّقَاءَ والبَرَاءةَ مِن التَّدْلِيسِ، وأنَّ شعبةَ رجعَ عَن قولِهِ.
ص 50
وقال الحافظُ أبو عَمرٍو المُقرِي: «وما كان مِنَ الأحاديثِ المُعنعَنةِ التي يَقولُ فيها نَاقِلُوها ((عن ... عن)) فهي أيضًا مُسنَدَةٌ مُتَّصِلَهٌ بِإِجماعِ أهلِ النَّقلِ، إذا عُرِفَ أنَّ النَّاقِلَ أَدْرَكَ المَنقولَ عنهُ إدراكًا بيِّنًا ولم يكنْ مِمَّنْ عُرِفَ بالتَّدليسِ وإن لَّمْ يَذكرْ سماعًا».
إلَّا أنَّ قولَهُ: «إدراكًا بيِّنًا» فيه إجمالٌ، وسَنَسْتَوفي الكلامَ عليه في ذِكرِ المذهبِ الثَّالثِ بِحَوْلِ الله.
[1] بهامش الأصل: (فالمأخوذ). مصحح إليه ومشار إليه أنه في نسخة.
[2] ضبَّب على هذه العبارة مع التصحيح، وفي الهامش إشارة إلى نسخة مصحح عليها: (أن لَّا يجزم بِالإِرسالِ؛ بل يتوقف) مصحَّح عليه ومضبَّب.
[3] بعد هذا في متن الكتاب أربعة أسطر كتب بهامشها: اقتضى نظر مصنفه رضي الله عنه إسقاط ما صفَّر عليه لاشتباهه.
والذي في الأسطر الأربعة:
لأنَّ الأَخْذَ بِأقلِّ ما يصحُّ حَملُ اللفظِ عليه لا يتأتى في المشترك لأنه ترجيح من غير مرجح، نعم يتأتى في الإجمال العارض في المتواطئ بالنسبة إلى أفراده، أو في الإجمال العارض من استعمال اللفظ في حقيقته ومجاز بعضي؛ لأنَّ المأخوذ به هنا متحقق، وهو في المشترك متعذر فآل الأمر إلى الوقف، والله أعلم، ولعلَّ ذلك مراد هذا القائل.
[4] بهامش الأصل: اللِّيتُ: صفحة العنق. زبيدي.