المذهبُ الرابعُ:
[يقبل المعنعن عند المعاصرة والسلامة من التدليس]
أنَّه لا يُشْتَرَطُ في الُحكمِ بالاتِّصالِ في الإسنادِ المعنعَنِ إلَّا المعاصرةُ فقط والسَّلامةُ مِن التَّدليسِ، عُلِمَ السَّماعُ أو لم يُعلَم، إلَّا أنْ يأتي ما
ص 67
يُعارِضُ ذلك، مثلَ أنْ يُعلَمَ أنَّه لْم يَسمَع، أو لم يلقَ المنقولَ عنه ولا شاهدَهُ، أو تكونَ سِنُّهُ لا تقتَضِي ذلك.
وهذا المذهبُ الرابعُ هو الذي ارتضَاه أبو الحُسين مسلمُ بنُ الحجَّاجِ _رحمه الله_ في مقدِّمةِ كتابِهِ «المُسْنَدُ الصَّحيحُ».
وقد تقدَّمَ لفظُهُ في ذلك حيثُ دعَا إليه سياقُ الكلامِ في تضاعيفِ المذهبِ الثّالثِ، فأغنى عن إعادتِهِ.
وهو المذهبُ الذي اسْتَدَلَّ عليه، وادَّعَى فيه الإجماعَ وعُرْفَ المُحدثينَ. وأنكَرَ قولَ مَنْ خالفَهُ إنكارًا شديدًا بألفاظٍ مُخْشَوْشَنَة، ومعانٍ مُسْتَوْبَلَةٍ، وجعل القائلَ به خارقًا للإجماعِ، ظنًّا منه _رحمه الله_ أنَّه خِلافٌ في موضعِ الإجماعِ.
وموضعُ الإجماعِ لا يُسلَّم له، إنَّه يتناولُ مَحِلَّ النِّزَاعِ، حسبَمَا/
ص 68
يتبَيَّنُ بعدُ _إنْ شاء الله_ في البابِ الثَّانِي.
قال الإمامُ أبو عَمرٍو النَّصريُّ: وأنكَرَ مسلمُ بنُ الحجّاجِ في خُطبةِ «صحيحِهِ» على بعضِ أهلِ عصرِه، حيث اشْترطَ في العنعَنةِ ثبُوتَ اللِّقاءِ والاجتماعِ، وادَّعَى أنَّه قولٌ مُخْتَرَعٌ لم يُسبَق قائلُه إليه، وأنَّ القولَ
ص 69
الشَّائعَ، المتَّفَقَ عليه بين أهلِ العلمِ بالأخبارِ قديمًا وحديثًا أنَّه يَكفِي في ذلك أنْ يثبتَ كونُهما في عصرٍ واحدٍ، وإنْ لم يأتِ في خبرٍ قطُّ أنَّهما اجتمعَا أو تشافَها.
قال: وفيما قالَه مسلمٌ نظرٌ.
ثمّ قال: وقد قيلَ: إنَّ القولَ الذي ردَّه مسلمٌ هو الذي عليه أئمَّةُ هذا العلمِ: عليُّ بنُ المدِينِيِّ والبخاريُّ وغيرُهما. انتهى.
قلتُ: قد بيَّنَّا قبلُ أنَّه مذهبُ البخاريِّ وعليِّ بنِ المدينيِّ، حسبَمَا حكاهُ القاضِي عياضٌ _رحمه الله_ عنهما. وقد تَبِعَ مسلمًا على مذهبِهِ فرقةٌ مِن المُحدِّثينَ وفرقةٌ مِن الأصليِّينَ: منهم القاضي الإمامُ أبُو بكرِ بنِ الطَّيِّبِ الباقِلاَّنِيُّ المالكيُّ _فيما حكاه القاضي أبو الفَضلِ عنه_، وأبُو بَكرٍ الشافعيُّ الصَّيرفيُّ _فيما حكى ابنُ الصَّلاحِ عنه_ أنَّه قال: كلُّ مَن عُلِمَ له سماعٌ مِن إنسانٍ فحدَّث منه فهو على السَّماعِ حتىَّ يُعْلَم أنَّه لم يَسمَعْ منه ما حكاه، وكلُّ مَن عُلِمَ له لِقاءُ إنسانٍ فحدَّث عنه فحُكمُه هذا الحكمُ.
قال: وإنَّما قال هذا فيمَن لم يَظهَر تدليسُهُ.
قلتُ: ولاشكَّ أنَّه مذهبٌ متساهَلٌ فيه.
نَعَمْ لو علِمْنا مِن كلِّ واحدٍ واحدٍ مِن رُواةِ ذلك الحديثِ/ أنَّه لا يُطلِق «عن» إلَّا في موضعِ
ص 70
الاتصالِ ولا يُجيزُ غيرَ ذلك، أو صحَّ فيه إجماعٌ مِن الرُّواةِ كلِّهم وعُرْفَ لا يَنْخَرِمُ ضبطُهُ؛ ولكنَّ ذلك لم يَثبُت. نَعَمْ قد يُسلِّم المُنصِفُ أنَّه كثيرٌ، ولا يَلزَم مِن كثرتِهِ الحكمُ به مطلقًا لوجودِ الاحتمالِ.