تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المذهبُ الخامسُ:

[من استعمل العنعنة للدلالة على الإجازة]

اصطلاحُ حدث عند المتأخرينَ، قال الإمامُ أبو عَمرٍو النَّصريُّ: وكَثُرَ في عصرِنا وما قاربَهُ بين المنتسبينَ إلى الحديثِ استعمالُ «عن» في الإجازةِ، فإذا قال أحدُهم: قرأتُ على فلانٍ عن فلانٍ، أو نحوَ ذلك، فظُنَّ [1] به أنَّه رَوَاهُ عنه بالإجازةِ قال: ولا يُخرجُهُ ذلك مِن قَبيلِ الاتصالِ على ما لا يَخفى.

قلتُ: وهذا اصطلاحٌ تواضعَ عليه قومٌ، فلا نحتاجُ له إلى تكلُّفِ احتجاجٍ، وكأنَّ هؤلاءِ استشعَرُوا أنَّ الإجازةَ أخذةٌ بشَوْبٍ مِن الانقطاعِ، إذ لابدَّ في الإجازةِ المجرَّدةِ عَن المناولةِ لذلك الشَّيءِ بِعينِهِ أو كَتَبَتِهِ بِعينِهِ مِن الاعتمادِ على الوُجَادَةِ أو بُلُوغِ ذلك إليه بنقلِ الآحادِ العُدولِ أو الاستفاضَةِ أو التَّواترِ، فكأنَّهم رَأَوا أنَّ إلغاءَ المبلِّغِ يُدخلُه شَوْبًا مِن الإرسالِ، فلذلك اسْتعملُوا فيها «عن» التي قد تُستعْمَل في الإرسالِ، على أنَّ الإمامَ أبا عمرٍو ابنَ الصَّلاحِ أبَى أنْ يكونَ في الإجازةِ انقطاعٌ وقال: ليس في

ص 71

الإجازةِ ما يَقدَحُ في اتِّصالِ المنقولِ بها وفي الثِّقةِ به.

و ما اختارَهُ هو الذي لا يَتّجِه غيرُهُ عند مُجيزِي الإجازةِ المطلقةِ وجاعلِيْهَا إخبارًا في الجملةِ، وهو الذي / اعْتمدَهُ الحافظُ أبُو نُعيمٍ الأصبهانيُّ؛ فإنَّه يقول فيما يروِي بالإجازةِ: «أخبرنا» مطلقًا مِن غيرِ ذكرِ إجازةٍ، لأنَّه يراها إخبارًا في الجملةِ زَمَنَ الإجازةِ، ثمَّ يَحصُل العلمُ له بالتَّفصيلِ في ثانِي حالٍ.

وما ذهب إليه الحافظُ أبُو الحَسنِ عليُّ بنُ المفضَّلِ المقدسيُّ حاكمُ الإسكندريةِ مِن خلافِ ذلك ليس بِصحيحٍ، حيثُ قال أثناءَ كلامٍ له في جزءٍ سمَّاه: «تَحقيقُ الجوابِ عَمَّنْ أُجِيزَ له ما فاتَهُ مِن الكتابِ» لمَّا تَكلَّم على الطُّرقِ المُحصِّلةِ العلمَ عندَ المُجازِ، بأنَّ هذا مِن حديثِ الْمُجيزِ له، قال فيه: إلَّا أنَّه إذا لم يُسمِّ مَن أخبرَهُ عمَّن أجازَ له فهو مرسِلٌ لا مَحالةَ.

قلتُ: وهذا سدٌّ لبابِ الإجازةِ المطلقةِ، ولم يَعتبِر أحدٌ ممَّن يُعتبَر عند علمِهِ بِتفصيلِ الْمُجازِ له إعمالَ هذه الواسطةِ، بل اعْتمدوا إلغاءَهَا، وعلى ذلك اسْتمرَّ عملُهم قديمًا وحديثًا، وإنْ ذَكَرَهَا ذاكرٌ مِن أهل التَّشدُّدِ قائلًا: «أخبرنا فلانٌ إجازةً»، وأفادَنا أنَّ ذلك مِن حديثِ فلانٌ فطلبًا لِلأكملِ، وتحرِّيًا لِبيانِ الحالةِ كيفَ وقعتْ، وخروجًا عن العُهدةِ، لا سيَّما

ص 72

حيثُ يكونُ الْمُجازُ ممَّن لا يَعرِف الأسانيدَ والطُّرقَ فيرى البراءةَ مِنَ العهدةِ وإلزاقَهَا بالمُخْبِرِ له، وما بيَّنَّاه لك مِن أنَّه لا بدَّ فيها مِن الاعتمادِ على الوُجادةِ أو البلاغِ.

والوجادةُ: وإنْ أخذتْ بطرفٍ مِن الاتصالِ اذا انْفردتْ، فلا يَخفى ما فيها مِن الانقطاعِ، لكنَّها إذا ازْدوجَتْ مع الإجازةِ قَوِيَ فيها جانبُ الاتصالِ؛ بل صارتْ مَتَّصِلَةً وصارَ ذلك الانقطاعُ / مُلْغًى عندَ وُجادةِ الْمُجازِ والاطَّلاعِ عليه تفصيلًا مع تقدُّم الإجازةِ المُفْهِمَةِ الإخبارَ إجمالًا، فتحقَّق حكمُ الاتصالِ في ثانِي حالٍ، كحكمِ الكتابِ إذا وصَلَ إلى المكتوبِ إليه فعَرِفَ خطَّ كاتبِهِ، أو خَتْمَهُ بأيِّ وجهٍ عُرِفَ ذلك، ألغَى الواسطةَ المبلِّغةَ، وثبتَ الاتصالُ على ما هو المُتَقَرِّرُ المشهورُ مِن عملِ الأئمةِ الماضينَ مِن الصَّحابةِ في زمنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وبعدَه والتَّابعينَ بعدَهم.

كما رويناه سماعًا بإسنادِنا المُتَقَدِّمِ إلى أبِي محمدٍ الرَّامَهُرْمُزِيِّ قال: حدَّثَنِي العباسُ بنُ الحسنِ قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بكرٍ النَّيسابوريُّ قال: حدَّثنا يحيَى بنُ عثمانَ قال: حدَّثنا بقيَّةُ قال: سمعتُ شعبةَ يقولُ: كتبَ إلي منصورٌ بأحاديثَ، فقلتُ: أقولُ حدَّثَنِي؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كتبْتُ إليك فقد حدَّثْتُكَ.

قال شعبةُ: فسألْتُ أيوبَ عن ذلك، فقال: صَدَقَ، إذا كَتَبَ إليك فقدْ حدَّثَكَ.

ص 73

فهؤلاءِ أئمَّةٌ ثلاثةٌ رَأَوْا ذلك.

قالَ القاضي أبو الفَضلِ عياضٌ: وأَجْمَعُوا على العَملِ بمُقتضَى هذا الحديثِ وعَدُّوهُ في المُسنَدِ بِغَيرِ خِلافٍ يُعرَفُ فِي ذَلك، وهُو موجودٌ في الأسانيدِ كَثيرٌ.

قُلْتُ: ووجْهُهُ وَضَّاحُ الأَسِرَّةِ [2] وقَد سَفرَ عنهُ الإمامُ أَبو محمَّد الرَّامَهُرْمُزِيُّ فيما رَوينَاهُ عنهُ بِإِسنادنا إِليهِ، فقال: لأنَّ الغرضَ مِنَ القَولِ بِاللِّسانِ فيما تَقعُ العِبارةُ فيهِ باللَّفظِ إنَّما هُو تَعبيرُ اللِّسانِ عَنْ ضَميرِ القلبِ، فإِذَا وَقعتِ العِبارةُ / عَن الضَّميرِ بأَيِّ سببٍ كانَ مِن أَسبابِ العبارةِ: إِمَّا بِكتابٍ، وإِمَّا بإِشارةٍ، وإِمَّا بِغيرِ ذَلك _مِمَّا يَقومُ مقامَهُ_ كانَ ذَلك سَواءً. انتهى

ص 74

قُلتُ: وإِنَّما اعتمدَ النَّاسُ مُنْذُ مُدَّةٍ مُتقدِّمَةٍ على الإجازةِ المُطْلَقَةِ والكِتابةِ المُطْلقَةِ تَوْسِعَةً لِبابِ النَّقلِ، وتَرحيْبًا لِمَجالِ الإسنادِ، لِعِزَّةِ وُجودِ السَّماعِ على وَجهِهِ في هذه الأَعصارِ؛ بلْ قَبْلَهَا بِكَثيرٍ، وتَعذُّرِ الرَّحْلِ فِي الأكثرِ مِنَ الأَحوالِ، واعْتمادًا على أنَّ الأحاديثَ لمَّا صَارتْ فِي دَفاتِرَ مُحصورةٍ وأُمَّاتٍ مُصنَّفاتٍ مُشهورةٍ، ومَرْوِيَّاتِ الشُّيوخِ في فَهارسَ مُفهرسةٍ، قَامَ ذَلكَ عندَهُم مَقامَ التَّعيِيْنِ الذي كانَ مَنْ مَضَى مِنَ السلفِ يَفْعلُهُ، فاكتفَى المُجِيْزُونَ بالإخبارِ الجُمْلِيِّ، واعتَمدُوا في البحثِ عَنِ التَّفْصِيْلِ عَلى المُجَازِ إذا تَأَهَّلَ لذَلك، فكانتْ رُخصةً أَخذَ بِها جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ إِبْقَاءً لِسِلْسِلَةِ الإسْنَادِ الَّتي خُصَّتْ بِها هذه الأمَّةُ، وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ، وإِنْ كانتْ هذهِ ليستِ الإجازةُ المُتَعَارَفَةُ عِندَ التَّابعينَ وتَابعيهم، كالحسنِ بنِ أبي الحَسنِ البصريِّ، ونَافعٍ مَولى عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، وأبِي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ أَحَدِ الفُقَهاءِ السَّبعةِ، ومُجاهدِ بنِ جَبرٍ، وعَلقمةَ بنِ قَيسٍ، وأَيُّوبَ السّختيانيِّ، وشُعبةَ بنِ الحَجَّاجِ، وغيرِهِم مِمَّن لا يُحصَى كَثرةً، فإِنَّما كانتْ تِلكَ في الشيءِ المُعَيَّنِ يَعرفُهُ المُجِيْزُ والمُجَازُ لَهُ، أو مَع حُضورِ الشيءِ المُجازِ فيهِ.

كَما أَخبرنا بِكتابِهِ / غيرَ مَرَّةٍ محمَّدُ بنُ عَبدِ الخَالِقِ الأمويُّ قال: أخبرنا أبُو الحسنِ بنُ المُفَضّلِ إجازةً إنْ لم يكنْ سماعًا قال: أخبرنا القاضي أبُو محمّد عبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ يحَيَى العثمانيُّ بقراءتِي عليه: أخبرنا أبُو الفضلِ جعفرُ بنُ إسماعيلَ بنِ خَلَفٍ الأنصاريُّ: أخبرنا أبِي: أخبرنا أبُو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الهَرَوِيُّ: حدَّثنا أبُو العبّاسِ الوليدُ بنُ بكرِ بنِ مَخْلَدٍ الأندلسيُّ: حدَّثنا تميمُ بنُ محمدٍ: حدَّثنا أبُو الغُصْنِ السُّوسيُّ: حدَّثنا عَوْنُ بنُ يوسفَ: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال: كنْتُ عندَ مالكٍ فجاءَهُ رجلٌ يَحْمِلُ

ص 75

«الموطَّأ» في كسائِهِ؛ فقال: يا أبا عبدِ اللهِ! هذا مُوَطَّؤُكَ قد كتبْتُهُ وقابلتُهُ فأَجِزْهُ لي.

قال: قد فعلْتُ. قال: فكيف أقولُ: حدَّثنا مالكُ أو أخبرنا؟ قال: قُلْ أيَّهُمَا شئْتَ.

قال ابنُ المُفَضِّلِ: أخبرنا بها عاليًا أبُو طاهرٍ السِّلفيُّ قال: أنبأنا أبُو مكتومٍ عيسى بنِ أبِي ذرٍّ الهرويِّ، عن أبيِهِ بإسنادِهِ المتقدِّمِ.

وتميمٌ هذا المذكورُ في هذا الإسنادِ هو: أبُو العبَّاسِ تميمُ بنُ أبِي العربِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ تميمٍ التميميُّ القَيْرَوَانِيُّ فقيهٌ مِن أهلِ العلمِ والورعِ والزهدِ والعبادةِ والسَّخاءِ والمروءةِ، مُجْمَعٌ على فضلِهِ.

وأبُو الغصنِ هو: نفيسٌ الغَرَابِلِيُّ الإفريقيُّ، فقيهٌ حافظٌ ثقةٌ.

وعَونُ بنُ يوسفَ هو: أبُو محمدٍ الخُزَاعيُّ القيروانيُّّّّّ، فقيهٌ ثقةٌ.

حكى القاضي عياضٌ عن عَوْنٍ هذا أنَّه تفقَّه بابنِ وهبٍ، قال: ولقد حضرْتُ ابنَ وهبٍ فأتاه رجلٌ بِتليسٍ [3]، فقال له: يا أبا محمدٍ!

ص 76

هذه كتبُكَ. فقال له ابنُ وهبٍ: صحَّحْتَ وقابلْتَ؟ فقال له: نَعَمْ. فقال له: اذْهَبْ فحدِّثْ بها فقد أَجَزْتُهَا لك؛ فإنِّي حضرْتُ مالكًا / فقال مثلَ ذلك.

قلتُ: والحكايةُ عن مالكٍ صحيحةٌ ورجالهُا ثقاتٌ. وقد أخبرنا بها أيضًا الإمامُ الفقيهُ العلَّامةُ أبُو الحسين عبيدُ اللهِ بنُ أبِي الرَّبيعِ القرشيُّ، عن الفقيهِ القاضي أبِي القاسمِ بنُ بقيٍّ، عن أبِي الحسن شُرَيْحِ بنِ محمدٍ كلَّه إجازةً قال: أخبرنا أبُو محمد بنُ خَزْرَجٍ قال: قال أبُو محمدٍ قاسمُ بنُ إبراهيمَ بنِ قاسمٍ الخزرجيُّ: حدَّثنا أبُو القاسم خَلَفُ بنُ يحيَى بنِ غَيْثٍ قال: حدَّثنا أبُو جعفرٍ تميمُ بنُ محمدٍ. وذكرَ الإسنادَ سَواء؛ والحكايةَ بمعنَاهَا.

وفي هذه القصةِ عن مالكٍ فائدةٌ جليلةٌ، وهي تصديقُ الشَّيخِ للتِّلميذِ أنَّ هذا مِنْ حديثِهِ، وأنَّه كتبَهُ وقابلَهُ، فيأْذَنَ له في حملِهِ عنه على تقديرِ صحَّةِ قولِهِ: إنَّه نَقَلَ وقابَلَ وإنْ لم يتصفَّحِ الشَّيخُ ذلك _ فتَفَهَّمْ هذا فإنَّه يَتَخَرَّجُ منه تَسْوِيغُ الإجازةِ المطلقةِ في جميعِ المرويِّ؛ ويعتمدُ الشيخُ في تعيينِ ذلك على التّلميذِ، وهذا ابنُ وهبٍ قد تابعَ مالكًا على ذلك، وهو فقيهُ أهلِ مصرَ _ أو فيما يَنْسَخُهُ الشيخُ المجيزُ مِن حديثِهِ

ص 77

أو كتابِهِ الذي ألَّفَهُ ويَبْعَثُ به إلى المُجازِ، أو بغيرِ ذلك مِن الوجوهِ البيِّنَةِ والطُّرُقِ المعيَّنَةِ.

كما أخبرنا محمَّدُ بنُ عبدِ الخالقِ القرشيُّ الأمويُّ سماعًا عليه: أخبرنا أَحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن الحُسينِ الكِنديُّ سماعًا عليه: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ السِّلفيُّ سماعًا عليه: أخبرنا المباركُ بنُ عبدِ الجبَّارِ الطُّيوريُّ / قراءةً: أخبرنا عليُّ بنُ أحمدَ الفاليُّ بِقراءَتِي عليه: أخبرنا أحمدُ بنُ إسحاقَ النَّهاونديُّ: أخبرنا الحسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ خلَّادٍ الرَّامهرمزيُّ القاضي: حدَّثنا يوسفُ مِشْطاح قال: سمعتُ أحمدَ بنَ المِقدامِ أبا الأشعثِ العِجليَّ يقول: كتبَ إليَّ جماعةٌ مِن أهلِ بغداذَ يسألونَنِي إجازةً فكتبتُ إليهم:

~ كِتَابِي هَذَا فَافْهَمُوهُ فَإِنَّهُ كِتَابِي إِلَيْكُمْ؛ وَالْكِتَابُ رسولُ

~ وَفِيهِ سماعٌ مِن رِّجَالٍ لَقِيْتُهُمُ لهَمُ ْبَصَرٌ فِي عِلْمِهِمْ وعُقُولُ

~ فَإِنْ شِئْتُمُ فَارْوُوهُ عنيِّ فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا قَدْ قُلْتُهُ وأَقُولُ

~ أَلا فَاحْذَرُوا التَّصْحِيفَ فِيهِ فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ مَعْقُولٌ لَهُ ومَقُولُ

ص 78

وبالإسنادِ نفسِهِ قال القاضي أبُو محمدٍ الحسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ خلَّادٍ: كَتَبَ إليَّ بعضُ وُزَرَاءِ المُلوكِ يسألُنِي إجازةَ كتابٍ ألَّفْتُهُ لابنٍ له، فكتبْتُ الكتابَ له ووقَّعْتُ عليه:

~ يا أبا القاسمِ الْكَريمَ المُحَيَّا زَانَكَ اللهُ بِالتُّقَى والرَّشَادِ

~ وتِوَلاَّكَ بِالْكِفَايَةِ والْعِزَّ وطولِ الْبَقَاءِ والإِسْعَادِ

~ ارْوِ عنيِّ هَذا الْكَتَابَ فَقَدْ هَذَّ بْتُ مَا قَدْ حَوَاهُ مِن مُّسْتَفَادِ

~ وشَكَّلْتُ الْحُرُوفَ مِنْهُ فَقَامَتْ لَكَ بِالشَّكْلِ فِي نِظَامِ السَّدَادِ

~ جَاءَ مُسْتَخْلَصًا لِسَبْكِ الْمُعَانِي كَالدَّنَانِيرِ مِنْ يَدِ النُّقَّادِ

~ نَظْمُ شِعْرٍ ونَثْرُ قَوْلٍ يَرُوقَانِ كَنُورِ الرِّيَاضِ غِبَّ العِهَادِ/

ص 79

~ لا يُعْنِيكَ بِالْهَجَاءِ ولا يُشْـ كِلُ في الخَطِّ بَينَ صَادٍ وَضَادِ

~ وكأنَّ السُّطُورَ مِنْهُ سُمُوطٌ بَلْ عُقُودٌ يَلُحْنَ فِي أَجْيَادِ

~ فَتَحْفَظَ مَا فِيهِ مِن مُّلَح الآ دَابِ واضْبِطْ طَرَائِقَ الإِسْنَادِ

~ واحْذَرِ اللَّحْنَ في الرِّوَايَةِ والتَّحْـ ـرِيفَ فَيهَا وَالكَسْرَ في الإنْشَادِ

~ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ يُوجِدُكَ الإخْـ ـبَارَ في نَشْرِهِ على الأَفْرَادِ

فانْظُر عنايتَهُ بأنَّ الإخبارَ الجُمْليَّ يَتضمَّنُ الإخبارَ التفصيليَّ، وأنَّ القياسَ الجليَّ يَقتضي ذلك، ففيهِ إشارةٌ إلى جوازِ الإجازةِ المطلقةِ.

و أَجَلُّ شيءٍ نَعرِفُهُ لمتقدمٍ في الإجازةِ المقيَّدةِ وأَجَلاَه لفظًا وأَصحُّهُ معنىً: ما ذكرَه أبُو عِيسَى التّرمذيُّ الإمامُ الحافظُ في كتاب «العلل» له في آخر الدِّيوانِ، في بابِ التاريخِ الذي نقلَهُ عن الإمامِ أبِي عبدِ الله البخاريِّ _رحمه اللهُ_ وقد انتهَى بالسَّماعِ عليه إلى بعضِ حرفِ العينِ ما نصُّهُ:

قال أبُو عيسَى: إلى ها هنا سَماعِي مِن أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ إسماعيلَ مِن أوَّل الحكاياتِ وما بعدَهَا فهو مِمَّا أَجَازَهُ لي وشَافَهَنِي به

ص 80

بعدَ ما عارضْتُهُ بأصلِهِ إلى أنْ ينقضيَ به كلامُ محمدِ بنِ إسماعيلَ. فقال: قد أَجَزْتُ لك أنْ ترويَ إلى آخر بابِ ي. انتهى.

هذا أجلَى نَصٍّ تجدُهُ في الإجازةِ لمتقدِّمٍ مُعْتَمَدٍ مِن لفظِ قائلِهِ؛ نَعَمْ تَجِدُ ألفاظًا مطلقةً مجمَلةً غيرَ مُفَسَّرَةٍ منقولةً عنهم بالمعنى / أو ظواهرَ مُحْتَمِلَةً.

وهذا كانَ دَأبَ تلك الطَّبقةِ مِن الإجازةِ في المعيَّنِ أو الكتبةِ له، وما أَرَى الإجازةَ المطلقةَ حدَثَتْ إلَّا بعدَ زمنِ البخاريِّ، حيثُ اشْتهرَتْ التَّصانيفُ وفُهْرِسَتْ الفهارسُ، وإنْ كان بعضُهم قدْ نَقَلَ الإجازةَ المطلقةَ عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ وغيرِهِ، فما أَرَى ذلك يَصِحُّ، واللهُ المُوَفِّقُ.

وإنَّما الذي صحَّ عندَنَا بِالإسنادِ الصَّحيحِ عن الزهريَّ تسويغُ ذلك في المُعَيَّنِ؛ كما أخبرنا أبُو عبدِ الله بنُ طَرْخَانَ: أخبرنا أبُو طالبٍ بنُ حَديدٍ: أخبرنا أبُو طاهرٍ الأصبهانيُّ: أخبرنا أبُو الحُسينِ الصَّيرفيُّ: أخبرنا أبُو الحَسنِ الفَالِيُّ: أخبرنا ابنُ خَرْبَانَ: أخبرنا ابنُ خلَّادٍ: حدَّثنا زكرياءُ بنُ يَحيى السَّاجِيُّ قال: حدَّثنا هارونُ بنُ سعيدٍ الأيليُّ قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عيَاضٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قال: أَشْهَدُ على ابنِ شهابٍ لقد كان يُؤْتَى بالكُتُبِ مِن كُتْبِهِ، فيقالُ له: يا أبا بكر هذه كُتُبُكَ؟ فيقول: نَعَمْ فيَجْتَزِئُ بذلك وتُحْمَلُ عنه، ما قُرِيءَ عليه.

ص 81

رِجَالُهُ كلُّهم ثقاتٌ.

وذكرَ الإمامُ أبُو عمرٍو بنُ الصَّلاحِ في هذا المذهبِ الخامسِ أنَّه مذهبٌ حادثٌ للمتأخرينَ.

وقد وَقَعَ نحوٌ منه لبعضِ المتقدِّمينَ، وهو ما سمعْتُهُ يُقْرَأُ بِثَغْرِ الإسكندريّةِ على شيخِنَا العدلِ أبِي عبدِ الله محمّدِ بنِ عبدِ الخالقِ بنِ طَرْخَانَ بالسَّنَدِ المُتَقدِّم.

وأخبرنا به أيضًا بها أبو عبد اللهِ محمَّدُ بنُ أبِي القاسمِ الصَّقَليُّ البَّزازُ المُتَفَقِّه قال: أخبرنا أبو محمِّدٍ بنُ رَوَاجٍ [4] سَماعًا عليه قال: أخبرنا الحافظُ أبو / طاهرٍ السِّلَفِيُّ سماعًا عليه بالسَّندِ المتقدِّمِ إلى أبي محمَّدٍ بنِ خَلَّادٍ قال: حدَّثنا محمَّد بنُ أحمدَ بنِ مَحْمُويَهْ العَسكريُّ قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ قال: أخبرَني عبدُ الرَّحمنِ بنِ إبراهيمَ، عن عمرِو بنِ أبِي سلمةَ قال: قلتُ للأوزاعيِّ في المناولةِ: أقولُ فيها حدَّثنا؟ قال: إنْ كنتُ حدَّثْتُك فَقُلْ. فقلْتُ: أقول فيها أخبرَنا؟ قال: لا. قُلْتُ: فكيف أقولُ؟ قال: قُلْ: قال أبو عَمرٍو، وعن أبي عمرٍو.

ص 82

قلتُ: وقد اسْتعملَ «عن» في الإجازةِ المطلقةِ _على المصطَلحِ الذي ذكرَهُ أبو عَمرٍو بنُ الصَّلاحِ_ شيخُنا الإمامُ العلامةُ النَّقَّابُ النَّسَّابةُ الحافظُ أبو محمّدٍ عبدُ المؤمنِ بنُ خَلَفٍ التُّونِيُّ حافظُ البلادِ المصريةِ، وهو ممَّا أجازِه لِي في بعضِ تَخَارِيجِهِ التي خرَّج مِن عالي حديثِهِ. قال:

قُرِيءَ على الشَّيخِ الصَّالحِ المُعَمَّرِ أبي الحسنِ بنِ أبي عبدِ اللهِ بنِ أبي الحَسنِ البغداذيِّ وأنا أسمعُ، عن الشَّريفِ النَّقيبِ أبي العبَّاسِ أحمدَ بنِ محمدٍ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ عليِّ بنِ إسماعيلَ بنِ عليِّ بنِ سُليمانَ بنِ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ إسماعيلَ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عباسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ المكيِّ: أخبرنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحسنِ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ العبَّاسِ الشِّافعيُّ المكيُّ قراءةً عليه وأنا أسمعُ بها: أخبرنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ فراسٍ العَبْقَسِيُّ المكيُّ: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ الدَّيْبُلِيُّ: حدَّثنا أبو صالحٍ محمَّدُ بنُ أبي الأزهرِ المكيُّ: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ المدنيُّ: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «مَنْ كان حالفًا / فلَا يَحْلِفُ إلَّا باللهِ» _ وكانتْ قريشٌ تَحْلِفُ بِآبائِهَا _ فقال: «لا تَحْلِفُوا بِآبائِكم».

قال شيخُنَا الحافظُ أبو محمّدٍ: روَاهُ مسلمٌ، عن يحيَى بنِ يحيَى ويحيَى بنِ أيوبَ، وقُتَيْبَةَ، وعليِّ بنِ حُجْرٍ _ أرْبعتِهِم _ عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ؛ فوقعَ لنَا بدلًا عاليًا تُسَاعِيًّا.

ص 83

ورَواه أيضًا نازلًا عن عبدِ الملكِ بنِ شُعيبِ بنِ اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، عن أبيِهِ، عن جده، عن عُقَيْلٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ.

فباعتبارِ هذا العددِ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم كأنِّي سمعتُهُ مِن مسلمٍ وصافحتُهُ به، ولله الحمدُ والمنَّةُ وهو وليُّ التَّوفيقِ.

قلتُ: فقولُه عن الشَّريفِ النَّقيبِ، يعني إجازةً.

و أبو الحسنِ بنُ أبِي عبدِ اللهِ هو عليُّ بنُ الحسينِ بنِ أبِي الحسنِ عليِّ بنِ منصورِ بنِ أبِي منصورٍ البغداذيُّ الأَزْجِيُّ النَّجَّارُ الحنبليُّ شُهِرَ بابنِ المُقَيِّرِ، وكان شيخًا صالحًا تاليًا للقرآنِ، كثيرَ السَّماعِ صحيحَهُ، وله إجازاتٌ عاليةٌ، وامْتدَّ أجلُهُ حتىَ ألحقَ الصِّغارَ بالكبارِ، وكانت فيه غَفْلَةٌ، وتوفي بالقاهرةِ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وستمائةٍ، وكان مولِدُهُ مستَهَلَّ شوَّالٍ من سنةِ خمسٍ وأربعينَ وخمسمائةٍ، عاشَ مائةً إلَّا سنتينِ إلَّا خمسةٍ وأربعينَ يومًا، ذكرَ هذا أبو بكرٍ المُهلَّبِيُّ في «معجمِهِ» فيما وجدتُهُ عنه.

وهذا الحديثُ وقَعَ أيضًا لشيخِنا الشَّريفِ المُحدِّثِ شَرَفِ المُحدِّثينَ تاجِ الدّينِ أبِي الحسنِ عليِّ بنِ أبِي العبَّاسِ أحمدَ بنِ عبدِ الْمُحسِنِ الْحُسينيِّ

ص 84

الغرَّافيِّ _رضي الله عنه_ وعن / سَلَفِهِ الكريمِ، مصافحةً لمسلمٍ، وهو عندنا عنه باتِّصالِ السَّماعِ.

قرأتُ عليه بلفظِي، ونسخْتُ مِن أصلِهِ بِثَغْرِ الإسكندريَّةِ المَحْرُوسِ. قال:

أخبرَني الحافظُ أبو الحسنِ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عمرَ بنِ القَطِيعِيِّ قراءةً عليه وأنا أسمعُ ببغداذَ قال: أخبرنا الشّريفُ أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ عبدِ العزيزِ العبَّاسيُّ المكيُّ قراءةً عليه وأنا أسمعُ قال: أخبرنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ عبدِ الرّحمنِ بنِ الحسنِ بنِ محمَّدٍ الشّافعيُّ المكيُّ بها قراءةً عليه وأنا أسمعُ قال: أخبرنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ فراسٍ المكيُّ العبْقَسِيُّ: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ المكيُّ الدَّيْبُلِيُّ قراءةً عليه مِن كتابِهِ: حدَّثنا أبو صالحٍ محمَّدُ بنُ أبِي الأزهرِ المعروفِ بابنِ زُنْبُورٍ المكيُّ مولَى بني هاشمٍ: حدَّثنا إسماعيلُ _ يعني: ابنَ جعفرٍ _ فذكرَهُ سواءً بنصِّهِ حرفًا حرفًا [5]، فكأنَّ شيخَنَا الشَّريفَ أبا الحسنِ صافحَ به مسلمًا وسمعْتهُ منه، وكأنِّي صافحتُ به إبراهيمَ بنَ سفيانَ صاحبَ مسلمٍ وسمعتُه منه. وهذا مِن بعضِ فوائدِ الرّحلةِ، والحمدُ لله.

ص 86

[1] بهامش الأصل: ط: أمر بالظن.

[2] بهامش الأصل في نسخة: الأسارير. ورمز لها بـ «معًا».

[3] ضبَّب عليها في الأصل، والتليس: وِعاءٌ يُسَوَّى من الخُوصِ شِبه قُفَّةٍ، وهي شِبه العَيبَةِ التي تكون عندَ القَصَّارينَ.

[4] كتب فوقها في الأصل: خف.

[5] في المتن مضبَّب عليه: حرف بحرف.

الأئمة الخمسة · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأئمة الخمسةص ١١