تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الجصاص: " والتحريم يتناول سائر وجوه المنافع، فلا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه ولا يطعمها الكلاب والجوارح، لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها، وقد حرم الله الميتة تحريما مطلقا معلقا بعينها، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص بدليل يجب التسليم له ".

الحكم الثاني: ما هو حكم الميتة من السمك والجراد؟

تضمنت الآية تحريم (الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله).

فأما الميتة فهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل، أو مقتولا بغير ذكاة شرعية، وكان العرب في الجاهلية يستبيحون الميتة، فلما حرمها الله تعالى جادلوا في فلك المؤمنين وقالوا: لا تأكلون مما قتله الله، وتأكلون مما تذبحون بأيديكم!! فأنزل الله في سورة الأنعام: [121]

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

فالميتة حرام بالنص القاطع، وقد وردت أحاديث كثيرة تفيد تخصيص الميتة منها الأحاديث التالية:

أ - قوله صلى الله عليه وسلم:

" أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال ".

ب - وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر:

" هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ".

ج - وفي " الصحيحين "

" عن جابر بن عبد الله أنه خرج مع (أبي عبيدة بن الجراح) يتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر، فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى (العنبر) قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا حتى سمنا.. وذكر الحديث قال: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعموننا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ".

د - وحديث ابن أبي أوفى

" غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ".

فقد خصص جمهور الفقهاء من الآية ميتة البحر للأحاديث السابقة الذكر، كما أباحوا أكل الجراد، إلا أن الحنفية حرموا الطافي من السمك وأحلوا ما جزر عنه البحر لحديث

" ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه ".

إلا أن المالكية أباحوا أكل ميتة السمك، وبقي الجراد الميت على تحريم الميتة: لأنه لم يصح فيه عندهم شيء.

قال القرطبي: " وأكثر الفقهاء يجيزون أكل جميع دواب البحر حيها وميتها، وهو مذهب مالك، وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيرا. قال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراما ".

الحكم الثالث: ما هي ذكاة الجنين بعد ذبح أمه؟

اختلف العلماء في الجنين الذي ذبحت أمه وخرج ميتا هل يؤكل أم لا؟

ذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح، لأنه ميتة وقد قال تعالى: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾.

وذهب الشافعي وأبو يوسف ومحمد إلى أنه يؤكل، لأنه مذكى بذكاة أمه، واستدلوا بحديث

" ذكاة الجنين ذكاة أمه ".

وقال مالك رحمه الله: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا.

قال القرطبي: " إن الجنين إذا خرج بعد الذبح ميتا يؤكل لأنه جرى مجرى العضو من أعضائها ".

وقال من ينتصر لأبي حنيفة: إن الحديث يحتمل معنى آخر هو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه على حد قول القائل قولي قولك، ومذهبي مذهبك أي كقولك وكمذهبك وعلى حد قول الشاعر:

فعيناك عيناها وجيدك جيدها

سوى أن عظم الساق منك دقيق

الحكم الرابع: هل يباح الانتفاع بالميتة في غير الأكل؟

ذهب عطاء إلى أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة وجلدها، كطلاء السفن ودبغ الجلود، وحجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى:

محرما على طاعم يطعمه

[الأنعام: 145].

وذهب الجمهور: إلى تحريمه واستدلوا بالآية الكريمة

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٤٨