تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.172-173

[6] إباحة الطيبات وتحريم الخبائث

التحليل اللفظي

﴿ واشكروا لله ﴾: الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم ويكون على وجهين:

أحدهما: الاعتراف بالنعمة وذلك بالثناء على المنعم

لئن شكرتم لأزيدنكم

[إبراهيم: 7].

والثاني: صرف النعمة فيما يرضي الله وذلك باستعمال السمع والبصر وسائر الحواس فيما خلقت له.

﴿ أهل به لغير الله ﴾: الإهلال رفع الصوت، يقال: أهل بكذا أي رفع صوته، ومنه إهلال الصبي وهو صياحه عند الولادة، وأهل الحاج رفع صوته بالتلبية قال الشاعر:

يهل بالفرقد ركبانها

كما يهل الراكب المعتمر

وأصل الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل في رفع الصوت مطلقا، وكان المشركون إذا ذبحوا ذكروا اسم اللات والعزى ورفعوا بذلك أصواتهم.

والمعنى: حرم عليكم ما ذبح للأصنام والطواغيت، وذكر عليه اسم غير الله. قال الزمخشري: وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى.

﴿ اضطر ﴾: أي حلت به الضرورة وألجأته إلى أكل ما حرم الله.

قال القرطبي: فيه اضمار أي فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج إليها فهو (افتعل) من الضرورة وأصله (اضطرر).

﴿ باغ ﴾: الباغي في اللغة: الطالب لخير أو لشر ومنه حديث

" يا باغي الخير أقبل "

وخص هنا بطالب الشر.

قال الزجاج: البغي قصد الفساد، يقال: بغى الجرح إذا ترامى للفساد. وبغت المرأة إذا فجرت.

﴿ عاد ﴾: اسم فاعل أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد.

والمراد بالباغي من يأكل فوق حاجته، والعادي من يأكل هذه المحرمات وهو يجد غيرها.

قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال قول من قال: ﴿ فمن اضطر غير باغ ﴾ بأكله ما حرم عليه من أكله ﴿ ولا عاد ﴾ في أكله وله في غيره مما أحله الله له مندوحة وغنى ".

المعنى الإجمالي

يأمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين بأن يتمتعوا في هذه الحياة بما أحله لهم من الكسب الحلال، والرزق الطيب، والمتاع النافع، وأن يأكلوا من لذائذ المآكل التي أباحها لهم، ورزقهم إياها بشرط أن تكون من الحلال الطيب، وأن يشكروا الله على نعمه التي أسبغها عليهم، إن كانوا حقا صادقين في دعوى الإيمان، عابدين الله منقادين لحكمه، مطيعين لأمره، لا يعبدون الأهواء والشهوات.

ثم بين تعالى ما حرمه عليهم من الخبائث المستكرهة، التي تنفر منها الطباع السليمة، أو مما فيه ضرر واضح للبدن، فذكر تعالى أنه إنما حرم عليهم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر الخبائث، كما حرم عليهم كل ذبيحة ذبحت للأصنام أو لآلهتهم المزعومة، وكل ما ذكر عليه اسم غير الله، لكن إذا اضطر الإنسان، وألجأته الحاجة إلى أكل شيء من هذه المحرمات، غير باغ بأكله ما حرم الله عليه، فليس عليه ذنب أو مخالفة ولا متجاوز قدر الضرورة، لأن الله غفور رحيم، يغفر للمضطر ما صدر منه عن غير إرادة، رحيم بالعباد لا يشرع لهم ما فيه الضيق والحرج.

وجه الارتباط بالآيات السابقة

بين تعالى في الآيات السابقة حال الذين يتخذون الأنداد من دون الله يحبونهم كمحبة الله، وأشار إلى أن سبب ذلك هو حب حطام الدنيا، وارتباط مصالح المرؤوسين بمصالح الرؤساء في الرزق والجاه، وخاطب الناس كلهم بأن يأكلوا مما في الأرض، إذ أباح لهم جميع خيراتها وبركاتها، بشرط أن تكون حلالا طيبا،

يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا

[البقرة: 168] وبين سوء حال الكافرين المقلدين، الذين يقودهم الرؤساء كما يقود الراعي الغنم، لأنهم لا استقلال لهم في عقل ولا فهم، ثم وجه الخطاب في هذه الآيات للمؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم، وأحرى بالاهتداء.

وجوه القراءات

1- قوله تعالى: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ قرأ الجمهور بالبناء للفاعل ﴿ حرم ﴾ أي حرم الله و ﴿ الميتة ﴾ بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالبناء للمفعول والتشديد (إنما حرم عليكم الميتة).

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٤٦