قال القرطبي: التشديد والتخفيف في (ميت) و(ميت) لغتان، وقد جمعا في قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء
والمشهور عند أهل اللغة: (الميت) بالتخفيف من مات فعلا، وبالتشديد (ميت) من سيموت كما في قوله تعالى:
إنك ميت وإنهم ميتون
[الزمر: 30] أي إنك ستموت وإنهم سيموتون.
2 - قرأ الجمهور (فمن اضطر) بضم الطاء، وقرأ أبو جعفر (فمن اضطر) بكسر الطاء، وأدغم ابن محيص الضاد في الطاء (فمن اطر).
وجوه الإعراب
1 - قوله تعالى: ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ جواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
2 - قوله تعالى: ﴿ إنما حرم ﴾ إنما مكفوفة عن العمل وهي حرف واحد تفيد الحصر و(الميتة) مفعول ل (حرم) والمعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة... الخ.
3 - قوله تعالى: ﴿ غير باغ ﴾ غير منصوب على الحال (ولا عاد) معطوف على باغ وتقديره لا باغيا ولا عاديا.
قال القرطبي: (غير) نصب على الحال، وقيل: على الاستثناء، وإذا رأيت (غير) يصلح في موضعها (في) فهي حال، وإذا صلح موضعها (إلا) فهي استثناء، فقس عليه، و(باغ) أصله (باغي) ثقلت الضمة على الياء فسكنت، والتنوين ساكن، فحذفت الياء، والكسرة دالة عليها.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: المراد من الطيبات الرزق الحلال، فكل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه فهو خبيث، قال عمر بن عبد العزيز: المراد (طيب الكسب لا طيب الطعام). ويؤيده الحديث الشريف:
" إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ﴾ [المؤمنون: 51] وقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ ".
فهذا هو بيان الطيب من الرزق ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عطر بعد عروس.
اللطيفة الثانية: قال أبو حيان: لما أباح تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، بين لهم ما حرم عليهم لكونه أقل، فلما بين ما حرم بقي ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عما يلبس المحرم فقال:
" لا يلبس القميص ولا السروال "
فعدل عن ذكر المباح إلى ذكر المحظور، لكثرة المباح وقلة المحظور، وهذا من الإيجاز البليغ.
اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ واشكروا لله ﴾ إلتفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال: " واشكرونا " وفائدة هذا الالتفات تربية المهابة والروعة في القلوب.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ﴾ هو على حذف مضاف أي أكل الميتة وأكل لحم الخنزير مثل قوله تعالى:
وسئل القرية
[يوسف: 82] أي أهل القرية.
قال الألوسي: " وإضافة الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق - وأوكده ".
وقال أبو السعود: " وإنما خص لحم الخنزير مع أن سائر أجزائه أيضا في حكمه، لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه بمنزلة التابع له ".
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل المحرم في آية الميتة الأكل أم الانتفاع؟
ورد التحريم في هذه الآية مسندا إلى أعيان الميتة والدم، وقد اختلف الفقهاء هل المحرم الأكل فقط، أم يحرم سائر وجوه الانتفاع، لأنه لما حرم الأكل حرم البيع والانتفاع بشيء منها لأنها ميتة، إلا ما استثناه الدليل، وذهب بعض العلماء إلى أن المحرم إنما هو الأكل فقط بدليل قوله تعالى: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ وبدليل ما بعده في قوله تعالى: ﴿ فمن اضطر غير باغ ﴾ أي اضطر إلى الأكل.