2.142-145
[3] التوجه إلى الكعبة في الصلاة
التحليل اللفظي
﴿ السفهآء ﴾: أصل السفه في كلام العرب: الخفة والرقة، يقال: ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا، وسفهته الرياح أي أمالته قال ذو الرمة:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت
أعاليها مر الرياح النواسم
والسفه: ضد الحلم وهو خفة وسخافة يقتضيها نقصان العقل، ولهذا سمى الله الصبيان سفهاء
ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قيما
[النساء: 5].
﴿ ولهم ﴾: يعني صرفهم، يقال: ولى عن الشيء وتولى عنه أي انصرف، وهو استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب.
﴿ قبلتهم ﴾: القبلة من المقابلة وهي المواجهة، وأصلها الحالة التي يكون عليها المقابل، ثم خصت بالجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة.
﴿ وسطا ﴾: أي عدولا خيارا، ومنه قوله تعالى:
قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون
[القلم: 28] أي خيرهم أو عدلهم، قال الشاعر:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم
إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها، وأن الغلو والتقصير مذمومان.
قال الجوهري في " الصحاح ": ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ أي عدلا، وكذلك روي عن الأخفش، والخليل.
وقال الزمخشري: وقيل للخيار وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأوساط محمية محوطة ومنه قول أبي تمام:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت
بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
﴿ عقبيه ﴾: العقبان: تثنية عقب، وهو مؤخر القدم، والانقلاب عليهما بمعنى الانصراف والرجوع، يقال: انقلب على عقبيه إذا انصرف عنه بالرجوع إلى الوراء.
والمعنى: لنعلم من يثبت على الإيمان، ممن يرتد عن دين الإسلام، ويرجع إلى ما كان عليه من ضلال، والكلام فيه استعارة كما سيأتي.
﴿ لكبيرة ﴾: أي شاقة ثقيلة تقول: كبر عليه الأمر أي اشتد وثقل.
﴿ لرءوف رحيم ﴾: الرأفة هي الرحمة، إلا أن الرأفة في دفع المكروه، والرحمة أعم تشمل المكروه والمحبوب.
﴿ تقلب وجهك ﴾: تقلب الوجه في السماء: تردده المرة بعد المرة فيها، والسماء مصدر الوحي، وقبلة الدعاء.
قال الزجاج: المراد تقلب عينيك في النظر إلى السماء.
وقال قطرب: تحول وجهك إلى السماء وهما متقاربان.
ومعنى الآية: كثيرا ما نرى تردد وجهك، وتصرف نظرك في جهة السماء متشوقا لنزول الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة.
﴿ فلنولينك قبلة ﴾: أي لنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا إذا جعلته واليا له، فيكون من الولاية، أو من التولي، والمعنى: فلنجعلنك متوليا جهتها، وهذه بشارة من الله تعالى لرسوله الكريم بتوجيهه إلى القبلة التي يحب.
﴿ شطر المسجد ﴾: والشطر في اللغة يكون بمعنى الجهة والناحية كما في هذه الآية ومنه قول الشاعر:
أقول لأم زنباع أقيمي
صدور العيس شطر بني تميم
ويكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
" الطهور شطر الإيمان "
والشاطر: الشاب البعيد عن أهله ومنزله، وهو من أعيا أهله خبثا، وسئل بعضهم عن الشاطر فقال: هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه.
ومعنى الآية: فول وجهك جهة المسجد الحرام أي جهة الكعبة.
﴿ أوتوا الكتاب ﴾: المراد بهم أحبار اليهود، وعلماء النصارى، والكتاب: التوراة والإنجيل.
وجه المناسبة بين الآيات
كان صلوات الله عليه وهو بمكة يستقبل بيت المقدس في الصلاة، كما كان أنبياء بني إسرائيل يفعلون، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، ولأنها أقدم القبلتين، وقد كان اليهود يقولون: يخالفنا محمد في ديننا، ويتبع قبلتنا، ولولا ديننا لم يدر أين يتوجه في صلاته، فكره النبي صلى الله عليه وسلم البقاء على قبلتهم، حتى روي أنه قال لجبريل: وددت لو أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة.