تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.222-223

[14] اعتزال النساء في الحيض

التحليل اللفظي

﴿ المحيض ﴾: مصدر ميمي بمعنى الحيض، كالمعيش بمعنى العيش، قال رؤبة:

إليك أشكو شدة المعيش

ومر أعوام نتفن ريشي

أي أشكو شدة العيش، ويطلق المحيض على الزمان والمكان ويطلق على الحيض مجازا، أفاده القرطبي.

وأصل الحيض: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة أي سالت.

قال الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل. ويقال للمرأة: حائض، وحائضة كذا قال الفراء وأنشد:

كحائضة يزنى بها غير طاهر

﴿ أذى ﴾: قال عطاء: أذى: أي قذر، والأذى في اللغة ما يكره من كل شيء ومنه قوله تعالى:

لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى

[البقرة: 264].

قال في " المصباح ": أذى الشيء أذى من باب تعب بمعنى قذر، وقوله تعالى: ﴿ قل هو أذى ﴾ أي مستقذر.

وقال الطبري: وسمي الحيض أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته.

﴿ فاعتزلوا ﴾: الاعتزال التنحي عن الشيء والاجتناب له، ومنه قوله تعالى:

وأعتزلكم وما تدعون من دون الله

[مريم: 48] والمراد باعتزال النساء اجتناب مجامعتهن، لا ترك المجالسة أو الملامسة فإن ذلك جائز.

﴿ يطهرن ﴾: بالتخفيف أي ينقطع عنهم دم الحيض، وبالتشديد (يطهرن) بمعنى يغتسلن.

﴿ حرث ﴾: قال الراغب: الحرث إلقاء البذر في الأرض وتهيؤها للزرع، ويسمى المحروث حرثا قال تعالى:

أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين

[القلم: 22].

وقال الجوهري: الحرث: الزرع، والحارث الزارع، ومعنى (حرث) أي مزرع ومنبت للولد، والآية على حذف مضاف أي موضع حرثكم، أو على سبيل التشبيه ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، فالحرث بمعنى المحترث، سمي موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة.

﴿ أنى شئتم ﴾: أي كيف شئتم أو على أي وجه شئتم مقبلة، أو مدبرة، أو قائمة، أو مضجعة بعد أن يكون المأتي في موضع الحرث.

قال الطبري: وقال ابن عباس: (فاتوا حرثكم أنى شئتم) أي ائتها أنى شئت مقبلة ومدبرة، ما لم تأتها في الدبر والمحيض.

وعن عكرمة: يأتيها كيف شاء، ما لم يعمل عمل قوم لوط.

﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾: أي قدموا الخير والصالح من الأعمال، لتكون زادا لكم إلى الآخرة.

﴿ واتقوا الله ﴾: أي خافوا عذابه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

﴿ وبشر المؤمنين ﴾: بالثواب والكرامة والفوز بالدرجات العلى في دار النعيم.

المعنى الإجمالي

يسألونك - يا محمد - عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟ قل لهم: إن دم الحيض دم مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى لكم ولهن، فاجتنبوا معاشرة النساء، ونكاحهن في حالة المحيض، ولا تقربوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويطهرن، فإذا تطهرن بالماء فاغتسلن، فأتوهن من حيث أمركم الله، في المكان الذي أحله لكم وهو (القبل) مكان النسل والولد، ولا تأتوهن في المكان المحرم (الدبر) فإن الله يحب عبده التائب المتنزه عن الفواحش والأقذار.

ثم أكد تعالى النهي عن إتيان النساء في غير المحل المعهود الذي أباحه للرجال فقال ما معناه: نساؤكم - أيها الناس - مكان زرعكم وموضع نسلكم، وفي أرحامهن يتكون الجنين والولد، فأتوا نساءكم كيف شئتم ومن أي وجه أحببتم بعد أن يكون في موضع النسل والذرية، قال ابن عباس: (اسق نباتك من حيث ينبت) وقدموا - أيها الناس المؤمنون - لأنفسكم صالح الأعمال وراقبوا الله وخافوه في تصرفاتكم، واخشوا يوما تلقون فيه ربكم فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته وبشر المؤمنين بالكرامة والسيادة والنعيم المقيم في دار الكرامة.

سبب النزول

أولا: عن أنس رضي الله عنه قال:

" " كانت اليهود إذا حاضت امرأة منهن لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض ﴾ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن وأن يكونوا معهن في البيوت، وأن يفعلوا كل شيء إلا النكاح، فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء (عباد بن بشر) و(أسيد بن خصير) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك وقالا يا رسول الله: أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما، فاستقبلتهما هدية من لبن فأرسل لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقاهما فعلما أنه لم يغضب ".

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٩١