تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[آل عمران: 103] ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية، لكان ذلك يوهم اختلافا ظاهرا، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة، وأمرهم جميعا بالتوجه نحوها، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك.

ورابعها: أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله:

وطهر بيتي

[الحج: 26] وخص المؤمنين بإضافتهم بصفة العبودية إليه

يعبادي

[العنكبوت: 56]، وكلتا الإضافتين للتخصيص والتكريم، فكأنه تعالى قال: يا مؤمن أنت عبدي، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إلي..).

2.158

[4] السعي بين الصفا والمروة

التحليل اللفظي

﴿ الصفا والمروة ﴾: الصفا في أصل اللغة: الحجر الأملس، واشتقاقه من صفا إذا خلص، ومنه الصفوان وهو الحجر الأملس الصلب قال تعالى:

فمثله كمثل صفوان

[البقرة: 264]، والصفا جمع مفردة (صفاة) قال جرير:

إنا إذا قرع العدو صفاتنا

لاقوالنا حجرا أصم صلودا

قال المبرد: الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من تراب أو طين.

وأما المروة: فقال الخليل: هي من الحجارة ما كان أبيض أملس صلبا شديد الصلابة، وجمعها (مرو) مثل تمرة وتمر قال أبو ذؤيب:

حتى كأني للحوادث مروة

بصفا المشاعر كل يوم يقرع

قال الألوسي: وقد صار في العرف علمين لموضعين (جبلين) معروفين بمكة للغلبة.

﴿ شعآئر الله ﴾: جمع شعيرة وهي في اللغة العلامة، ومنه الشعار للعلامة، وأشعر الهدي أي جعل له علامة ليعرف أنه هدي قال الشاعر:

نقتلهم جيلا فجيلا تراهم

شعائر قربان بهم يتقرب

والمراد أن هذين الموضعين من علامات دين الله، ومن معالمه ومواضع عباداته.

والشعائر تطلق على كل معالم الدين التي تعبدنا الله تعالى بها كالطواف، والسعي والأذان الخ.

﴿ حج ﴾: الحج في اللغة: القصد وإكثار التردد إلى الشيء، قال الشاعر:

ألم تعلمي يا أم عمرة أنني

تخاطأني ريب الزمان لأكبرا

وأشهد من عوف حلولا كثيرة

يحجون بيت الزبرقان المزغفرا

يعني يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته.

وفي الشرع: هو قصد البيت العتيق لأداء المناسك من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة وسائر الأعمال.

﴿ اعتمر ﴾: العمرة في اللغة: الزيارة، والمعتمر: الزائر لأنه يعمر المكان بزيارته له قال الشاعر:

" لقد سما ابن معمر حين اعتمر "

وفي الشرع: زيارة البيت لأداء نسك معين من الطواف، والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير. وليس في العمرة وقوف بعرفة، ولا مبيت بمزدلفة، ولا رمي جمار إلى آخر ما هو معروف في الفقه.

﴿ جناح ﴾: الجناح بالضم: الميل إلى الإثم، وقيل: هو الإثم نفسه، سمي جناحا لأنه ميل إلى الباطل.

قال في " لسان العرب ": جنح: مال. وجنحت الناقة: إذا مالت على أحد شقيها، وجنحت السفينة إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض.

قال ابن الأثير: وقد تكرر الجناح في الحديث فأين ورد فمعناه الإثم والميل.

والمعنى: لا إثم عليكم ولا حرج ولا تضييق في السعي بين الصفا والمروة.

﴿ يطوف ﴾: أي يتطوف أدغمت التاء في الطاء، مثل (المزمل) و(المدثر) أصله المتزمل والمتدثر، وطاف وأطاف بمعنى واحد.

المعنى الإجمالي

يقول الله جل ثناؤه ما معناه: إن الصفا والمروة - أيها المؤمنون - من علامات دين الله، التي جعلها الله لعباده معلما ومشعرا، يعبدونه عندها بالدعاء، والذكر، وسائر أنواع القربات.

والسعي بين هذين الجبلين شعيرة من شعائر الدين، ومنسك من مناسك الحج لا يصح التفريط فيه، لأنه تشريع الحكيم العليم، الذي أمر به خليله إبراهيم عليه السلام، حين سأل ربه أن يريه مناسك الحج

وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم

[البقرة: 128].

فمن قصد منكم - أيها المؤمنون - بيت الله العتيق للحج، أو قصده للزيارة، فلا يتحرجن من الطواف بينهما، إذ لا إثم عليه ولا حرج لأنه إنما يسعى لله، امتثالا لأمره، وطلبا لرضاه، والمشركون يطوفون للأصنام، وأنتم تطوفون لله رب العالمين. فلا تتركوا الطواف بينهما خشية التشبه بالمشركين، فهم يطوفون بهما كفرا، وأنتم تطوفون بهما إيمانا وتصديقا لرسولي، وطاعة لأمري، فلا إثم ولا جناح عليكم في الطواف بهما، ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكر له طاعته، ومجازيه عليها خير الجزاء يوم الدين.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٣٩