أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ".
ويرى جمهور العلماء أن وقت الوقوف يبتدئ من زوال اليوم التاسع، إلى طلوع فجر اليوم العاشر، وأنه يكفي الوقوف في أي جزء من هذا الوقت ليلا أو نهارا، إلا أنه إذا وقف بالنهار وجب عليه مد الوقوف إلى ما بعد الغروب، أما إذا وقف بالليل فلا يجب عليه شيء.
وقد روي عن الإمام (مالك) رحمه الله أنه إذا أفاض قبل غروب الشمس لم يصح حجه وعليه حج قابل، قال القرطبي: " واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه؟
فقال (الشافعي وأحمد وأبو حنيفة) عليه دم، وقال (مالك) عليه حج قابل، والهدي ينحره في حج قابل وهو كمن فاته الحج.
2.216-218
[11] القتال في الأشهر الحرام
التحليل اللفظي
﴿ كره ﴾: بضم الكاف أي مكروه لكم تكرهه نفوسكم لما فيه من المشقة، وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، كقوله تعالى:
إنما المشركون نجس
[التوبة: 28] وكقول الخنساء:
فإنما هي إقبال وإدبار
قال ابن قتيبة: الكره بالفتح معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه المشقة.
﴿ الشهر الحرام ﴾: الشهر الذي يحرم فيه القتال، والمراد به هنا شهر رجب، وكان يدعى (الأصم) لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيما له.
﴿ وصد ﴾: الصد: الصرف والمنع يقال: صده عن الشيء أي منعه عنه.
﴿ والفتنة ﴾: أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم.
﴿ يرتدد ﴾: أي يرجع، والردة: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ويسمى فاعل ذلك مرتدا.
قال الراغب: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره قال تعالى:
من يرتد منكم عن دينه
[المائدة: 54] وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر، وقال تعالى:
فارتدا على آثارهما قصصا
[الكهف: 64].
﴿ حبط ﴾: أي فسد وبطل عمله، قال في " اللسان ": حبط حبطا وحبوطا: عمل عملا ثم أفسده، وفي التنزيل
فأحبط أعمالهم
[محمد: 28] أي أبطل ثوابهم.
قال أهل اللغة: أصل الحبط مأخوذ من (الحبط) وهو أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها وفي الحديث
" وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم "
فسمي بطلان العمل بهذا لما فيه من الفساد.
﴿ هاجروا ﴾: الهجرة مفارقة الأهل والوطن في سبيل الله، لنصرة دينه.
قال الراغب: الهجرة الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان وأصلها من الهجر الذي هو ضد الوصل، ومنه قيل للكلام القبيح (هجر) لأنه مما ينبغي أن يهجر، والهاجرة: وقت الظهيرة لأنه وقت يهجر فيه العمل.
﴿ وجاهدوا ﴾: الجهاد بذل الوسع والمجهود وأصله من الجهد الذي هو المشقة، وسمي قتال الأعداء (جهادا) لأن فيه بذل الروح والمال لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه.
﴿ يرجون ﴾: الرجاء هو الأمل والطمع في حصول ما فيه نفع.
قال الراغب: الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة.
وفي " اللسان ": الرجاء من الأمل نقيض اليأس، وهو بمعنى التوقع والأمل، قال بشر يخاطب بنته:
فرجي الخير وانتظري إيابي
إذا ما القارظ العنزي آبا
﴿ غفور رحيم ﴾: أي واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بعبادة المؤمنين.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه: " فرض عليكم - أيها المؤمنون - قتال الكفار، وهو شاق عليكم، تنفر منه الطباع لما فيه من بذل المال وخطر هلال النفس، ولكن قد تكره نفوسكم شيئا وفيه كل النفع والخير، وقد تحب شيئا وفيه كل الخطر والضرر، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما فرض عليكم من جهاد عدوكم، فإن فيه الخير لكم في العاجل والآجل.
يسألك أصحابك - يا محمد - عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ قل لهم: القتال في نفسه أمر كبير، ولكن صد المشركين عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله، وإخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كل ذلك أكبر جرما وذنبا عند الله من قتل من قتلتم من المشركين، وقد كانوا يفتنونكم عن دينكم فذلك أكبر عند الله من القتل، فإن كنتم قتلتموهم في الشهر الحرام، فقد ارتكبوا ما هو أشنع وأقبح من ذلك، حيث فتنوكم عن دينكم، والفتنة أكبر من القتل.