تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إننا لا نزال نرى في هذا العصر الذي يسمونه - عصر النور - من لا يزال يعبد البقر ويتبرك بأرواثها، فكيف نطمئن على العقلية البشرية من التردي نحو الهاوية؟! إن الذي يعبد البقر لا يستبعد عليه أن يعبد الصور؟! لذلك فإن التحريم شريعة الله وسيظل هذا التشريع فوق عقول البشر لأنه شرع الله ودينه الخالد.

38 - سورة ص

38.41-44

[1] موقف الشريعة من الحيل

التحليل اللفظي

﴿ بنصب ﴾: النصب بضم النون وسكون الصاد بمعنى التعب كالنصب. قال الفراء: هما كالرشد والرشد، والحزن والحزن معناهما واحد.

قال في اللسان: والنصب، والنصب والنصب: الداء والبلاء والشر، والنصب: الأعياء من العناء. وفي التنزيل:

لا يمسهم فيها نصب

[الحجر: 48] أي تعب.

وقال أبو عبيدة: النصب: الشر والبلاء، والنصب: التعب والإعياء.

والمراد في الآية: مرض أيوب وما كان يقاسيه من أنواع البلاء في جسده.

﴿ اركض ﴾: الركض: الدفع بالرجل، يقال: ركض الدابة إذا ضربها برجله لتعدو، وقال المبرد: الركض التحريك والضرب، ولهذا قال الأصمعي: يقال ركضت الدابة، ولا يقال: ركضت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ولا فعل لها في ذلك. والمراد في الآية: اضرب الأرض برجلك ينبع الماء فتغتسل وتشرب منه.

﴿ مغتسل ﴾: المغتسل الماء الذي يغتسل به، وقيل: الموضع الذي يغتسل فيه، والصحيح الأول.

﴿ ضغثا ﴾: الضغث في أصل اللغة: الشيء المختلط ومنه (أضغاث أحلام) للرؤيا المختلطة.

قال في اللسان: الضغث: قبضة من قضبان مختلفة يجمعها أصل واحد مثل الأسل والكراث قال الشاعر:

كأنه إذ تدلى ضغث كراث

وقيل: هي الحزمة من الحشيش، مختلطة الرطب باليابس.

وقال ابن عباس: هو عشكال النخل الجامع بشماريخه. أي عنقود النخل المتفرع الأغصان.

والمعنى: أمره الله أن يأخذ حزمة من العيدان فيها مائة عود، ويضربها بها ضربة واحدة، ليبر في يمينه ولا يحنث فيها.

﴿ تحنث ﴾: الحنث: الخلف في اليمين، يقال: حنث في يمينه، يحنث إذا لم يبر بها.

قال في اللسان: الحنث في اليمين: نقضها والنكث فيها، وهو من الحنث بمعنى الإثم وفي الحديث:

" اليمين حنث أو مندمة "

ومعناه: إما أن يندم على ما حلف عليه، أو يحنث فتلزمه الكفارة. والحنث: الذنب العظيم، وفي التنزيل العزيز:

وكانوا يصرون على الحنث العظيم

[الواقعة: 46].

﴿ أواب ﴾: الأوب: الرجوع، والأواب: التواب، الرجاع، الذي يرجع إلى التوبة والطاعة، ويرجع إلى الله في جميع أموره، وهي من صيغ المبالغة مثل (ظلام) و(قتال).

المعنى الإجمالي

اذكر يا محمد لقومك قصة عبدنا (أيوب) إذ نادى ربه مستغيثا به، ضارعا إليه، فيما نزل به من البلاء، راجيا أن يكشف الله عنه الضر حيث قال: رب إني أصبت ببلاء وشدة، وتعب وضنى، وأنت أرحم الراحمين ورب المستضعفين... فاستجاب الله الحليم الكريم دعاءه، وكشف عنه شدته، فأذهب عنه الآلام والأسقام، وأمره أن يضرب برجله الأرض، حتى تنبع له عين ماء يكون فيها شفاؤه، وقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب، تغتسل منه وتشرب فتشفى بإذن الله، فلما ضرب الأرض نبعت له عين ماء، فاغتسل منها فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منها فذهب الداء من باطنه، فعادت إليه الحياة الطبيعية التي كان يعيشها، وشعر بأهله وأولاده، ونعم بأسرته التي كانت بالنسبة إليه كالمفقودة، ومتعه الله بصحته وقواه حتى كثر نسله وتضاعف عدد أولاده، ورزقه من الأموال فضلا منه ونعمة، وإكراما لعبده الصابر الطائع، وتذكيرا لعباد الله بفضل الله وإكرامه لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب - وهو أفضل أهل زمانه - وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا ومصائبها، واللجوء إلى الله عز وجل فيما يحيق بهم كما لجأ أيوب ليفعل الله بهم ما فعل به من حسن العاقبة، وعظيم الإكرام.

وما كان الله - جلت حكمته - ليكرمه ويدع زوجه التي أحسنت إليه، وأعانته في بلائه ومحنته، وكان قد حلف لأمر فعلته ليضربنها مائة جلدة، فجزاها الله بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها تسهيلا عليه وعليها فأمره أن يجمع لها (مائة عود) ويضربها ضربة واحدة، لا يحنث في يمينه.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٣٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٣٦٠