تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حرمت عليكم الميتة

[المائدة: 3] أي الانتفاع بها بأكل أو غيره، فجعلوا الفعل المقدر هو الانتفاع، واستدلوا كذلك بقوله عليه السلام:

" لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها "

فهذا الحديث يدل على أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، فلا يجوز البيع ولا الانتفاع بشيء من الميتة إلا ما ورد به النص.

الحكم الخامس: ما هو حكم الدم الذي يبقى في العروق واللحم؟

اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد ذكر تعالى الدم ههنا مطلقا وقيده في الأنعام بقوله:

أو دما مسفوحا

[الآية: 145] وحمل العلماء المطلق على المقيد، ولم يحرموا إلا ما كان مسفوحا، وورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لولا أن الله قال أو دما مسفوحا لتتبع الناس ما في العروق) فما خالط اللحم غير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع على عدم حرمته وإن كان في الأصل دما.

قال القرطبي: " وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم والعروق، وروي عن عائشة أنها قالت:

" كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم، فنأكل ولا ننكره ".

الحكم السادس: ماذا يحرم من الخنزير؟

نصت الآية على تحريم لحم الخنزير، وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المحرم لحمه لا شحمه، لأن الله قال: ﴿ ولحم الخنزير ﴾ وذهب الجمهور إلى أن شحمه حرام أيضا، لأن اللحم يشمل الشحم، وهو الصحيح، وإنما خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه، سواء ذكى ذكاة شرعية أو لم يذك.

وقد اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بشعر الخنزير.

فذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يجوز الخرازة به.

وقال الشافعي: لا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير.

وقال أبو يوسف: أكره الخرز به.

قال القرطبي: " لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به، لأن الخرازة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، لا نعلم أنه أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده، وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه ".

وقد اختلف أهل العلم في خنزير الماء فقال أبو حنيفة: لا يؤكل لعموم الآية.

وقال مالك والشافعي والأوزاعي: لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر، وتفصيل الأدلة ينظر في كتب الفروع.

الحكم السابع: ما الذي يباح للمضطر من الميتة؟

اختلف العلماء في المضطر، أيأكل من الميتة حتى يشبع، أم يأكل على قدر سد الرمق؟

ذهب مالك إلى الأول، لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة.

وذهب الجمهور: إلى الثاني، لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدرها، وسبب الخلاف يرجع إلى مفهوم قوله تعالى ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ فالجمهور فسروا البغي بالأكل من الميتة لغير حاجة، والعاد هو المعتدي حد الضرورة.

ومالك فسره بالبغي والعدوان على الإمام، ولكل وجهة والله أعلم.

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 - إباحة الأكل من الطيبات للمؤمنين بشرط أن يكون من الكسب الحلال.

2 - شكر الله واجب على المؤمنين لنعم الله التي لا تعد ولا تحصى.

3 - الإخلاص في العبادة لله من صفات المؤمنين الصادقين.

4 - الله جل وعلا حرم على عباده (الخبائث) دون (الطيبات).

5 - حالة الاضطرار تبيح للإنسان الأكل مما حرمه الله كالميتة وغيرها.

خاتمة البحث:

حكمة التشريع

أباح الباري جل وعلا لعباده المؤمنين تناول الطيبات، وحرم عليهم الخبائث كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونهاهم عن تعذيب النفس وحرمانها من اللذائذ الدنيوية، فإن المشركين وأهل الكتاب حرموا على أنفسهم أشياء لم يحرمها الله تعالى كالبحيرة والسائبة.

وكان المذهب الشائع عند النصارى أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، تعذيب النفس واحتقارها، وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واعتقاد أنه لا حياة (للروح) إلا بتعذيب الجسد، وكل هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء، وليس لها أثر في شريعة الله. وقد تفضل الله على هذه الأمة بجعلها أمة وسطا، تعطي الجسد حقه، والروح حقها، فأحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وأمرنا بالشكر عليها، ولم يجعلنا (جثمانيين) خلصا كالأنعام، ولا (روحانيين) خلصا كالملائكة، بل جعلنا أناسي كملة بهذه الشيعة المعتدلة.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٤٩