ويدل عليه أيضا قوله تعالى:
إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا
[البقرة: 174] وظاهر ذلك يمنع أخذ الأجر على الإظهار والكتمان جميعا، لأن قوله تعالى:
ويشترون به ثمنا قليلا
[البقرة: 174] مانع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه، إذ كان الثمن في اللغة هو البدل، قال عمر بن أبي ربيعة:
إن كنت حاولت دنيا أو أصبت بها
فما أصبت بترك الحج من ثمن
فثبت بذلك بطلان الإجارة على تعليم القرآن، وسائر علوم الدين ".
وقال الفخر الرازي: " احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم، لأن الآية لما دلت على وجوب التعليم، كان أخذ الأجرة أخذا على أداء الواجب، وأنه غير جائز، وقوله تعالى:
ويشترون به ثمنا قليلا
[البقرة: 174] مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه ".
أقول: هذه النظرة الفقهية الدقيقة تسمو بالعلم إلى درجة العبادة، وهي نظرة جديرة بالتقدير، ولكن علوم الشريعة تكاد تضيع مع الأخذ بفتوى المتأخرين، من إباحة أخذ الأجرة على التعليم، فكيف لو أخذنا بفتوى المتقدمين ومنعنا أخذ الرواتب والأجور؟ إذن لم يبق من يعلم أو يتعلم وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
1 - اليهود والنصارى كتموا صفات النبي لصد الناس عن الإيمان به.
2 - كتم العلم خيانة للأمانة التي جعلها الله في أعناق العلماء.
3 - يجب نشر العلم وتبليغه إلى الناس لتعم الهداية جميع البشر.
4 - من كتم شيئا من أحكام الشرع الحنيف استحق اللعنة المؤبدة.
5 - لا تكفي التوبة وحدها بل لا بد من إصلاح السيرة، وإخلاص العمل.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
جاءت الشرائع السماوية، لهداية البشرية، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وقد أمرنا الإسلام بتعليم الجاهل، وهداية الضال، ودعوة الناس إلى الله، حتى تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحد عذر عند الله يوم القيامة.
ولما كان ما أنزله الله من البينات والهدى، لم ينزل إلا لخير الناس، وهداية البشرية إلى الطريق المستقيم، وكان كتم العلم وعدم تبليغه إلى الناس فيه تعطيل لوظيفة الرسالة، التي بعث الله بها رسله وأنبياءه، وفيه خيانة للأمانة التي ائتمن الله عليها العلماء
وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه...
[آل عمران: 187] لذلك فقد شدد الله النكير على من كتم شيئا مما يحتاج الناس إليه، وخاصة من أمور الدين، وأوعد بالعذاب الأليم لكل من كتم آيات الله، أو أخفى أحكام الشريعة، لأن الكتمان جرم عظيم، يستحق مرتكبه اللعن والإبعاد من رحمة الله عز وجل.
وفي هذا دلالة واضحة، على عناية الإسلام العظيمة، بنشر العلم والثقافة، لتبليغ دعوة الله إلى الناس وانتشال الأمة من براثن الجهل والضلالة، فنشر العلم عبادة، وكتمه جناية، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" بلغوا عين ولو آية "
وقال صلوات الله وسلامه عليه:
" من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ".