فالجواب: أنهما ما كانا يعلمان الناس السحر للعمل به، وإنما للتخلص من ضرره، والاحتراز منه، لأن تعريف الشر للزجر عنه حسن وقد قيل:
عرفت الشر لا للشر
لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر
من الناس يقع فيه
وقد قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إن فلانا لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه. والصحيح كما قال الألوسي: أن ذلك كان للابتلاء والتمييز بين (المعجزة) و(السحر) والله أعلم.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل للسحر حقيقة وتأثير في الواقع؟
اختلف العلماء في أمر (السحر) هل له حقيقة أم هو شعوذة وتخييل؟
فذهب جمهور العلماء: من أهل السنة والجماعة إلى أن السحر له حقيقة وتأثير.
وذهب المعتزلة وبعض أهل السنة: إلى أن السحر ليس له حقيقة في الواقع وإنما هو خداع، وتمويه، وتضليل، وأنه باب من أبواب الشعوذة، وهو عندهم على ضروب.
ضروب السحر
أولا: التخييل والخداع: وذلك كما يفعله بعض المشعوذين، حيث يريك أنه ذبح عصفورا، ثم يريك العصفور بعد ذبحه قد طار، وذلك لخفة حركته، والمذبوح غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان، قد خبأ أحدهما وهو المذبوح وأظهر الآخر. قالوا: وقد كان سحر سحرة فرعون من هذا النوع، فقد كانت العصي مجوفة، قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم (جلد) محشوة زئبقا، وقد حفروا تحت المواضع أسرابا وملؤها نارا، فلما طرحت عليها الحبال والعصي وحمى الزئبق تحركت، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته الحرارة أن يتمدد، فتخيل الناس أن هذه الحبال والعصي تتحرك وتسير.
ثانيا: الكهانة والعرافة بطريق التواطؤ وذلك كما يفعله بعض العرافين والكهان حيث يوكلون أناسا بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، ويزعمون أنها من حديث الجن والشياطين لهم، وأنهم يتصلون بهم ويطيعونهم بواسطة الرقي والعزائم، وأن الشياطين تخبرهم بالمغيبات فيصدقهم الناس، وما هي إلا مواطأة مع أشخاص قد أعدوهم لذلك.
قال الجصاص: كانت أكثر مخاريق الحلاج بالمواطأة، فكان يتفق مع جماعة فيضعون له خبزا ولحما وفاكهة في مواضع يعينها لهم، ثم يمشي مع أصحابه في البرية، ثم يأمر بحفر هذه المواضع، فيخرج ما خبئ من الخبز واللحم والفاكهة، فيعدونها من الكرامات.
ثالثا: وضرب آخر من السحر عن طريق النميمة، والوشاية، والإفساد من وجوه خفية لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس.. وقد حكي أن امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين، فجاءت إلى الزوجة فقالت لها: إن زوجك معرض عنك، وهو يريد أن يتزوج عليك، وسأسحره لك حتى لا يرغب عنك، ولا يريد سواك، ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها حتى يتم سحره، فاغترت المرأة بقولها وصدقتها، ثم ذهبت إلى الرجل وقالت له: إن امرأتك قد أحبت رجلا وقد عزمت على أن تذبحك بالموسى عند النوم لتتخلص منك، وقد أشفقت عليك ولزمني نصحك، فتيقظ لها هذه الليلة وتظاهر بالنوم فستعرف صدق كلامي، فلما جاء الليل تناوم الرجل في بيته فجاءت زوجته بالموسى لتحلق بعض شعرات من حلقه، ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه، فلم يشك في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها، فبلغ الخبر إلى أهلها فجاءوا فقتلوه، وهكذا كان الفساد بسبب الوشاية والنميمة.
رابعا: وضرب آخر من السحر وهو الاحتيال وذلك بإطعام الإنسان بعض الأدوية المؤثرة في العقل، أو إعطائه بعض الأغذية التي لها تأثير على الفكر والذكاء، كإطعامه (دماغ الحمار) الذي إذا أطعمه إنسان تبلد عقله، وقلت فطنته مع أدوية أخرى معروفة في كتب الطب، فإذا أكله الإنسان تصرف تصرفا غير سليم فيقول الناس: به مس أو إنه مسحور.
فأنت ترى أنهم يرجعون السحر إما إلى تمويه وتخييل، وإما إلى مواطأة، وإما إلى سعي ونميمة، وإما إلى احتيال، ولا يرون الساحر يقدر على شيء مما يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام، ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن اليسير.