تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو بكر الجصاص: وحكمة كافية تبين لك أن هذا كله مخاريق وحيل، لا حقيقة لما يدعون لها أن الساحر والمعزم لو قدرا على ما يدعيانه من النفع والضرر، وأمكنهما الطيران، والعلم بالغيوب، وأخبار البلدان النائية، والخبيثات والسرق، والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا، لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان بقتل الملوك بحيث لا ينالهم مكروه، ولا ستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس.

فإذا لم يكن كذلك، وكان المدعون لذلك أسوأ الناس حالا، وأكثرهم طمعا واحتيالا، وتوصلا لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقرا وإملاقا علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك.

أدلة المعتزلة:

استدل المعتزلة على أن السحر ليس له حقيقة بعدة أدلة نوجزها:

أ - قوله تعالى:

سحروا أعين الناس واسترهبوهم

[الأعراف: 116].

ب - قوله تعالى:

يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

[طه: 66].

ج - قوله تعالى:

ولا يفلح الساحر حيث أتى

[طه: 69].

فالآية الأولى: تدل على أن السحر إنما كان للأعين فحسب، والثانية: تؤكد أن هذا السحر كان تخييلا لا حقيقة، والثالثة: تثبت أن الساحر لا يمكن أن يكون على حق لنفي الفلاح عنه.

د - وقالوا: لو قدر الساحر أن يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، أو يقلب التراب إلى ذهب على الحقيقة، لبطل التصديق بمعجزات الأنبياء، والتبس الحق بالباطل، فلم يعد يعرف (النبي) من (الساحر) لأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء، وفعل السحرة، وأنه جميعه من نوع واحد.

أدلة الجمهور:

واستدل الجمهور من العلماء على أن السحر له حقيقة وله تأثير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:

أ - قوله تعالى:

سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم

[الأعراف: 116].

ب - قوله تعالى:

فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه

[البقرة: 102].

ج - قوله تعالى:

وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله

[البقرة: 102].

د - قوله تعالى:

ومن شر النفاثات في العقد

[الفلق: 4].

فالآية الأولى دلت على إثبات حقيقة السحر بدليل قوله تعالى:

وجآءوا بسحر عظيم

[الأعراف: 116] والآية الثانية أثبتت أن السحر كان حقيقيا حيث أمكنهم بواسطته أن يفرقوا بين الرجل وزوجه، وأن يوقعوا العداوة والبغضاء بين الزوجين فدلت على أثره وحقيقته، والآية الثالثة أثبتت الضرر للسحر، ولكنه متعلق بمشيئة الله، والآية الرابعة تدل على عظيم أثر السحر حتى أمرنا أن نتعوذ بالله من شر السحرة الذين ينفثون في العقد.

ه - واستدلوا بما روي

" أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، فأرسل صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فحلها، فقام كأنما نشط من عقال ".

الترجيح: ومن استعراض الأدلة نرى أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلا فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس، فإن إلقاء البغضاء بين الزوجين، والتفريق بين المرء وأهله الذي أثبته القرآن الكريم ليس إلا أثرا من آثار السحر، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شر النفاثات في العقد، ولكن كثيرا ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية فنحن نقر بأن له أثرا وضررا ولكن أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلا بإذن الله، فهو سبب من الأسباب الظاهرة، التي تتوقف على مشيئة مسبب الأسباب، رب العالمين جل وعلا.

وأما استدلالهم: بأنه يلتبس الأمر بين (المعجزة) و(السحر) إذا أثبتنا للسحر حقيقة فنقول: إن الفرق بينهما واضح فإن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وظاهرها كباطنها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، وأما السحر فظاهره غير باطنه، وصورته غير حقيقته، يعرف ذلك بالتأمل والبحث، ولهذا أثبت القرآن الكريم للسحرة أنهم استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم، مع إثباته أن ما جاءوا به إنما كان عن طريق التمويه والتخييل.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٠