وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 3-4] صلى الله وسلم عليه، وأوصل أزكى تحية إليه.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله ورآء ظهورهم ﴾ التعبير بالنبذ وراء الظهور، فيه زيادة تشنيع وتقبيح على اليهود، حيث تركوا العمل بكتاب الله، وأعرضوا عنه بالكلية، شأن المستخف بالشيء، المستهزئ به، وتمسكوا بأساطير من فنون السحر والشعوذة.
يقول سيد قطب رحمه الله: " والذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والمقصود طبعا أنهم جحدوه وتركوا العمل به، ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن، إلى دائرة الحسن، ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة، تصور هذا التصرف تصويرا بشعا زريا، ينضح بالكنود والجحود، ويتسم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحة، ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة، حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور ".
اللطيفة الرابعة: وجه المقارنة بين ذكر ﴿ الشيطين ﴾ و ﴿ السحر ﴾ في الآية الكريمة، هو أن السحر فيه استعانة بأرواح خبيثة شريرة من الجن، والشياطين تزعم أنها تعلم الغيب وتوهم الناس بذلك، وقد كان بعض الناس يصدقونهم فيما يزعمون، ويلجأون إليهم عند الكرب كما قال تعالى:
وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا
[الجن: 6] ولهذا اشتهر السحر عن طريق الاتصال بهذه الأرواح الخبيثة.
أخرج ابن جرير والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
" إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة، كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك " سليمان بن داود " فأخذها وقذفها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا: نعم فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر ".
اللطيفة الخامسة: عبر القرآن الكريم عن (السحر) ب (الكفر) في قوله تعالى: ﴿ وما كفر سليمن ﴾ وسياق اللفظ يدل على أن المراد منه السحر أي: وما سحر سليمان وإنما عبر عنه بالكفر تقبيحا وتشنيعا، كما قال تعالى فيمن ترك الحج مع القدرة عليه
ومن كفر فإن الله غني عن العلمين
[آل عمران: 97].
وفي هذا التعبير تنفير للناس من السحر، ودلالة على أنه من الكبائر الموبقات، بل هو قرين الكفر والإشراك بالله، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾.
اللطيفة السادسة: روي أن رجلا تكلم بكلام بليغ عند (عمر بن عبد العزيز) فقال عمر: هذا والله السحر الحلال. وروي
" أن (الزبرقان بن بدر) و(عمر بن الأهتم) و(قيس بن عاصم) قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمرو: خبرني عن الزبرقان؟ فقال: مطاع في ناديه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره.. فقال الزبرقان: هو والله يعلم أني أفضل منه، فقال عمرو: إنه زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال.. ثم قال: يا رسول الله، صدقت فيهما، أرضاني أحسن ما علمت، وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فقال عليه السلام: " إن من البيان لسحرا " ".
وروي أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب أحدهما فعجب الناس من فصاحته وبلاغته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن من البيان لسحرا "
فإن قيل: كيف سمى عليه السلام روعة البيان سحرا مع أن السحر مذموم عقلا ونقلا؟!
فالجواب: أن هذا على (المجاز) لا على (الحقيقة) فالخطيب يستميل القلوب بحسن بيانه وروعة أدائه، وجمال تعبيره، كما يستميل الساحر قلوب الحاضرين إليه بخفته ورشاقته وتمويهه على الحاضرين، فمن هذا الوجه سمي البيان سحرا.
اللطيفة السابعة: فإن قيل: كيف كان الملكان يعلمان الناس السحر مع أنه حرام، ومعتقده كافر؟!