تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عذابه، لأثابهم الله جزاء أعمالهم مثوبة أفضل مما شغلوا به أنفسهم، من هذه الأمور الضارة التي لا تعود عليهم إلا بالويل والخسار والدمار.

سبب النزول

قال ابن الجوزي رحمه الله: في سبب نزول هذه الآية قولان:

أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من التوراة إلا أجابهم، فسألوه عن السحر وخاصموه به فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية.

والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن (ابن داود) كان نبيا؟ والله ما كان إلا ساحرا فنزلت هذه الآية ﴿ وما كفر سليمن ولكن الشيطين كفروا... ﴾ ذكره ابن إسحاق.

وجوه القراءات

أولا: قوله تعالى: ﴿ ولكن الشيطين كفروا ﴾.

قرأ الجمهور: (ولكن الشياطين) بتشديد نون (لكن) ونصب نون (الشياطين) وقرأ حمزة والكسائي: (ولكن الشياطين) بتخفيف النون من (لكن) ورفع نون (الشياطين).

ثانيا: قوله تعالى: ﴿ ومآ أنزل على الملكين ﴾.

قرأ الجمهور: (الملكين) بفتح اللام والكاف مثنى (ملك) وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير (الملكين) بكسر اللام مثنى (ملك) قال ابن الجوزي: وقراءة الجمهور أصح.

قال القرطبي: وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ يعني به رجلين من بني آدم.

ثالثا: قوله تعالى: ﴿ هروت ومروت ﴾ قرأ الجمهور بفتح التاء قرأ الحسن والزهري برفعهما على تقدير (هما هاروت وماروت).

وجوه الإعراب

أولا - قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشيطين ﴾ الواو للعطف، و ﴿ اتبعوا ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿ نبذ فريق ﴾ من عطف الجملة على الجملة، والضمير في ﴿ اتبعوا ﴾ لليهود، و ﴿ ما ﴾ اسم موصول مفعول به و ﴿ تتلوا ﴾ صلة الموصول و ﴿ الشيطين ﴾ فاعل مرفوع وهو إخبار عن حالهم في اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبع، لأن الاتباع ليس مترتبا على مجيء الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله فإنه مترتب على مجيء الرسول.

ثانيا - قوله تعالى: ﴿ يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين.... ﴾ جملة ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في ﴿ كفروا ﴾ أي كفروا معلمين الناس السحر، وقيل: هو بدل من ﴿ كفروا ﴾ لأن تعليم السحر كفر في المعنى و ﴿ مآ أنزل ﴾ اسم الموصول ﴿ ما ﴾ معطوف على ﴿ ما تتلوا ﴾ فهو في موضع نصب، والمعنى: اتبعوا ما تتلوه الشياطين، واتبعوا ما أنزل على الملكين، وقيل: ﴿ مآ أنزل ﴾ ما: نافية أي لم ينزل على الملكين، قال ابن الأنباري: وهذا الوجه ضعيف جدا، لأنه خلاف الظاهر والمعنى، فكان غيره أولى.

ثالثا: قوله تعالى: ﴿ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ﴾.

اللام في ﴿ لمن اشتراه ﴾ لام الابتداء، و(من) بمعنى الذي في موضع رفع لأنه مبتدأ، وخبره جملة ﴿ ما له في الآخرة من خلق ﴾ و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من خلق ﴾ زائدة لتأكيد النفي، وتقديره: ما له في الآخرة خلاق.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: تضمنت هذه الآيات الكريمة ما كان عليه اليهود من الخبث وفساد النية، والسعي للإضرار بعباد الله، فالسحر لم يعرف إلا عند اليهود، فتاريخه مشتهر بظهورهم، فهم الذين نبذوا كتاب الله وسلكوا طريق السحر، وعملوا على إفساد عقول الناس وعقائدهم بطريق السحر، والشعوذة، والتضليل، وهذا يدل على أن اليهود أصل كل شر، ومصدر كل فتنة وقد صور القرآن الكريم نفسية اليهود بهذا التصوير الدقيق

كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين

[المائدة: 64].

اللطيفة الثانية: قال أبو حيان: كما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد في قوله تعالى:

فإن الله عدو للكافرين

[البقرة: 98] وقوله:

وما يكفر بهآ إلا الفاسقون

[البقرة: 99] وذكر نبذ العهود من اليهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى. فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب يعد مغيب، متناسقة تناسق اللآلئ في عقودها، متضمنة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار ولا مارس

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ١٧