تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَحَدُها: أَنَّ القَوْمَ أَرَادُوا اللَّحْنَ الَّذِي هُوَ الخَطَأُ (١)، وَفَهِمَ مُعاوِيَةُ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَحْسَنَ مِنْهُ السُّهُولَةَ فِي الكَلام، وَتَرْكَ المُبالَغَةِ فِي إِشباع الإِعْرابِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى تَفْهِيمِ المُخاطَبِينَ وَمَنْ لا يَكْمُلُ لِوُجُوهِ الكَلامِ الفَصِيحِ البَالِغِ فِي الإِعْرابِ. فَقَدْ نَحا هَذا النَّحْوَ جَمَاعَةٌ مِنْ كَمَلَةِ الرُّؤَسَاءِ وَأَجِلَّةِ الوُلَاةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْتَعْمِلُوا الإِعْرَابَ فِي كَلامِكُمْ إِذا خاطَبْتُمْ، وَلا تُخْلُوا مِنْهُ كُتُبَكُمْ إِذا كاتَبْتُمْ. فَهَذا وَجْهٌ.

وَالوَجْهُ الآخَرُ: أَنَّ القَوْمَ أَرادُوا لَحْنَ الفِطْنَةِ كَما أَرادَها مُعاوِيَةُ وَفَهِمَها، وَلَمْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَنُ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِمْ: ظَرِيفٌ، لَكِنَّهُمْ أَرادوا المُبالَغَةَ فِي مَدْحِهِ، وَالزِّيَادَةَ فِي ظَرْفِهِ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الكَلام وَفِي الشِّعْرِ. قَالَ النَّابِغَةُ:

فَتًى كَمُلَتْ خَيْراتُهُ غَيْرَ أَنَّهُ … جَوادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ المالِ باقيا (٢)

أَيْ: مَعَ أَنَّهُ جَوادٌ، فَهَذا وَجْهٌ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ ظَرِيفٌ مَعَ أَنَّهُ يَلْحَنُ، أَيْ: كَيِّسٌ يَفْطَنُ لِلْمَقالِ. قَالَ الشَّاعِرُ (٣):

وَلا عَيْبَ فِينَا غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَنا (٤) … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائِبِ

وَالوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِاللَّحْنِ: اللُّكْنَةَ الَّتِي كَانَ ابْنُ زِيَادٍ يَرْتَضِخُها، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْلِكُ لُكْنَةً فَارِسِيَّةً، فَقَالَ لِرَجُلٍ: أَهَرُورِيٌّ

(١) في سائر النسخ (لحن الخطأ).

(٢) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص ١٨٨، وهو من بحر الطويل.

(٣) هو النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه ص ١٢، وهو من بحر الطويل.

(٤) في (م): (فيهم)، و(سيوفهم).

مجمع الغرائب ومنبع الرغائب · الجزء ١٠ · الصفحة ١٣٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الغرائب ومنبع الرغائبج ١٠ · ص ١٣٧