والدين الإسلامي يقوي دعائم المجتمع ويجعله الأصل بينما الأفراد هم مكونات هذا المجتمع ومنهم تتشكل لحمة الكيان الإنساني، قال رسول الله [ ﴿مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر﴾·
والإنسان يمتلك دوافع بيولوجية واجتماعية ونفسية، وباعتبار الإسلام دين الفطرة جاء بضوابط تضبط وتقدر هذه الأشياء بحسب حاجة الإنسان إليها وبحسب منظومة الضر والنفع القائمة على قاعدة جلب المصالح ودرئ المفاسد، لأن من مقاصد الدين الإسلامي الكبرى الحفاظ على الدين والعقل والنفس والمال والعرض واعتبار المصالح المرسلة التي تفسح مجالا أوسع للعمل والإنتاج وفق مرضات الله عز وجل·
هذا الدين الإسلامي الذي حمله محمد [ إلى الإنسانية يحمل تصورا نحو الإنسان باعتباره مخلوقا مسؤولا مكلفا امتزجت في تركيبته الخلقية نفخة من روح الله وقبضة من طين الأرض· هذه النفخة الروحية هي التي تدفع لا محالة كل إنسان إلى الشوق نحو أصله·
وفي هذا المقام يقول عز وجل في محكم تنزيله ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله﴾ >العنكبوت- 6<
وإن تشكل صورة صحيحة للمعرفة الحقة لأصل هذا الكون تكون باستخدام أدوات المعرفة اللازمة من سمع وبصر وفؤاد ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ >النحل- 78<·
تجليات إنسانية رسول العالمين:
إن محمدا [ واحد من البشر، خرج إلى الدنيا عن طريق نكاح وأنجبته امرأة بعد متم الأشهر التسعة للحمل، قطع مراحل الصبا والطفولة والشباب وسعى في الأرض طلبا للحياة كسائر بني البشر·
لم يكن صاحب جاه ولا مال ولا سلطان، بل كان صاحب فضيلة وصدق ومحبة في الأرض بين ذويه، اجتمعت له عناصر القوة والأمانة وحظي باحترام الصغير والكبير من أهل الجزيرة العربية· له نسب شريف وعريق يمتد إلى ولد عدنان وهو واحد من العرب من أهل قريش قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ >التوبة- 28<·
تدرج [ إلى الكمال بفضل استقامته وطلبه لمكارم الأخلاق ووصفه تعالى بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ >القلم -4<·
كانت الإنسانية قبل بعثته تتشوف وتتشوق إلى الروح العلية عن طريق التبصر والتأمل في ملكوت السموات والأرض·
استخدم أدوات المعرفة حق الاستخدام، حرك سمعه للحق وبصره للنور وفؤاده للهداية، فسلك شعاب مكة بحثا عن الحقيقة ونور الهدى، حتى وجد نفسه متعبدا متحنثا في غار حراء يناجي ربه ويطلب عفوه وهدايته·
حينها جاءه النداء العلوي من رب السموات والأرض فنزل عليه أول نداء رباني أن ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ >العلق-<·
إن إشارات الوحي الأولى دعوة صريحة للعلم والمعرفة حيث كان القرآن العظيم أول مدرسة نهل منها رسولنا الكريم وكان معلمه خالقه وبارئه رب العالمين الذي قال له مخاطبا: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يومنون﴾ >النحل-64<·
وقال في آية أخرى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ >النحل-89<·
وشملت بذلك رحمته كل الناس بل كل المخلوقات فقال جل وعلا في شأنه: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ >آل عمران - 5< كان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وكان يجادل أهل المعتقدات الأخرى وخاصة أهل الشرك بالتي هي أحسن· وهو أس ينبغي أن نعتمده في حواراتنا مع الأديان الأخرى والثقافات المغايرة حتى نثبت للآخر مدى رحابة وسعة ورحمة هذا الدين الذي يحمل مشعل نوره محمد [ إلى الإنسانية كلها·