تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

--------------

التوحيد نور وهدى

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

آثار التوحيد تبدو في التصورات والمشاعر كما تبدو في السلوك والتصرفات وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً ومتميزا توحيد الله ليس كلمة تقل باللسان ، فالقلب الذي يوحد الله ، يدين لله وحده ، ولا يحني هامته لأحد سواه ، ولا يطلب شيئا من غيره ، ولا يعتمد على أحد من خلقه ، فالله وحده و القوي عنده ، و هو القاهر فوق عباده ، والعباد كلهم ضعاف مهازيل ، لا يملكون له نفعاً ولا ضر ، فلا حاجة به إلى أن يحني هامته لواحد منهم ، وهم مثله لا يملكون لأنفسهم مفعماً ولا ضر ، والله وحده هو المانح المانع ، فلا حاجة به إلى أن يتوجه لأحد غيره ، وهو الغني ، والخلق كلهم فقراء! والقلب الذي يوحد الله ، ويؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله ، ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره الله للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد ، لا تصلح حياة البشر ولا تستقيم مع الكون الذي يعيشون فيه إلا بإتباعه ، ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله من النظم ، ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله ، ونظام الحياة! والقلب الذي يوحد الله ، يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت القدرة في هذا الكون من أشياء وأحياء ، ويحيا في كون صديق يعاطفه ويتجاوب معه ، ويحس بهذه القدرة المبدعة في كل ما حوله ، فيعيش في أنس بالله وبدائعه التي تلمسها يداه ، وتقع عليها عيناه ، ويشعر- كذلك- بالتحرج من إيذاء أحد ، أو إتلاف شئ ، أو التصرف في أحد أو في شئ إلا بما أمره الله ، خالق كل شئ ومحيي كل حي ، ربه ورب كل شيء وكل حيّ! وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر ، كما تبدو في السلوك والتصرفات ، وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً متميز ، ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان ، ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب والسنة ، وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد ، في كل عصر ومصر ، وفي كل جيل وقبيل ، فالتوحيد بمعناه ذلك معني ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدارك. لقد أعد الله عز وجل لتبليغ رسالة التوحيد إلى العالمين خير خلق الله وخاتم رسل الله لقد كان خير خلق الله وخاتم رسل الله يهجر الضلال ، ليقضي أيام رمضان في غار حراء -كما سيأتي - وهو غار على مسافة بضعة أميال من القرية الصاخبة ، في رأس جبل من هذه الجبال المشرفة على مكة ، والتي ينقطع عندها لغو الناس وحديثهم الباطل! ويبدأ السكون الشامل المستغرق! في هذه القمة السابقة ، كان خير خلق الله وخاتم رسل الله ، يأخذ زاد الليالي الطوال! ثم ينقطع عن الناس منجهاً بفؤاده المشرق إلى رب الناس! في هذه الغار النائي ، المهيب المحجب ، كانت نفس كبيرة تطل من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم ، واعتداء وإنكسا! ثم تتلوى حسرة وحيرة ، لأنها تدري من ذلك مخرجاً ، ولا تعرف له علاجاً في هذا الغار النائي ، المهيب المحجب ، كانت عين نفاذة محصية ، تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله ، فتجده كالمنجم المعتم لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد جهد جيهد ، وقد يختلط التراب بالتبر ، فما يستطيع بشر فصله عنه! في هذا الغار النائي ، المهيب المحجب ، كان خير خلق الله وخاتم رسل الله يتعبد ، ويقترب من الحق جهده ، ويبتعد عن الباطل وسعه ، حتى وصل إلى مرتبة عالية انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوة ، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح! في هذا الغار النائي ، المهيب المحجب ، كان خير خلق الله وخاتم رسل الله يتصل بالملأ الأعلى! ومن قبله شهد بطن الصحراء أخا له يخرج من مصر فاراً يجتاز القفار ، متلمسا الأمن والسكينة والهدى ، لنفسه وقومه ، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة فلما تيممها إذا بالنداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره: ﴿يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليل إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (آية 11-14سورة طه) وإن القلب ليرتجف ، وإن الكيان ليرتعش ، وهو يتصور مجرد تصور ذلك المشهد. موسى عليه السلام فريد في تلك الفلاة ، والليل دامس ، والظلام شامل ، والصمت مخيم! وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور! وإذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء الربني! إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار! إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها ممثلة في هذا الفيض! وبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة! وبحسب البشرية أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال! إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون لتتقد مرة أخرى ، في جوانب الغار النائي ، المهيب المحجب ، الذي حوى خير خلق الله وخاتم رسل الله يتحنف ، نائيا-بجسمه وروحه -عن أرجاس الجاهلية ومساوئها! لكن الشعلة لم تكن ناراً تستدرج الناظر ، بل كانت نوراً ينبسط بين يدي وحي مبارك ، يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية ، والتثبيت والعناية فإذا خير خلق الله وخاتم رسل الله يصغي في دهشة وانبهار إلى صوت الملك يقول له «اقرأ»

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٣