الحوار مع الآخر ...... الأهداف والضوابط
مفكرة الإسلام :
صارت أطروحة حوار الحضارات من الأطروحات الرئيسة التي ثار حولها الجدل بالنقد كما ثار الجدل بالدفاع عنها, وربما اكتسب الموضوع أهمية وزخمًا منذ تمخض نظرية صراع الحضارات لـ'صمويل هنتنجتون' والتي حاولت توصيف الواقع الحالي في ظل انهيار الاتحاد السوفيتي والهيمنة الأمريكية على العالم بأن الصراع في خلال القرن القادم سيكون صراعًا بين الحضارات وليس صراعا اقتصاديًا أو أيدلوجيًا.
وقد قوبلت نظرية 'هنتنجتون' بكثير من الانتقادات من جانب بعض المفكرين والساسة حيث إنها تدفع القوى العالمية إلى طاحونة الصراع مرة أخرى والعالم لم يكن قد أفاق بعد من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي.
وقد أكد هؤلاء على أهمية الحوار بين القوى العالمية ـ أو الحضارات بحسب ما قال هنتنجتون ـ وطرحوا مبدأ حوار الحضارات والذي نادى به من قبل المفكر الفرنسي 'روجيه جارودي' كبديل عن صدام الحضارات[*].
وقبل إلقاء الضوء على أطروحة حوار الحضارات والحكم عليها بالتأييد أو النقض سنتكلم عن الأهداف والضوابط الني يجب أن يقوم عليها أي حوار إسلامي مع الآخر بشكل عام حتى يحقق فائدة مرجوة.
· شرعية الحوار
· أهداف الحوار
· ضوابط الحوار
1- شرعية الحوار:
والحوار في الأصل مشروع ؛ بل إن الحوار الذي يفيد الطرف الإسلامي على وجه وتترجح مصلحته على مفسدته؛ على المفكرين والساسة وعلماء الدين تبنيه والخوض فيه.
وقد جاءت نصوص الشريعة الإسلامية تؤكد على شرعية الحوار مع الآخر ـ و مع أهل الكتاب على وجه الخصوص ـ فمن تلك النصوص:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [64] سورة آل عمران .
وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [125] سورة النحل .
2- أهداف الحوار:
وإذا قلنا إن الحوار مع الآخر في هذا الوقت الحالي ربما يتم تفعيله لعدة أمور :
1. حالة الضعف و الخضوع التي يمر بها العالم الإسلامي مما أدى إلى احتلاله ثقافيًا وفكريًا ـ و ربما عسكريًا أيضًا ـ وفي هذه الحالة يكون الحوار بين القوى المستضعفة والقوى المهيمنة في محاولة لتجنب المزيد من الضغوطات وفرض الرأي الآخر بالقوة.
2. الصورة المشوهة للدين الإسلامي التي أصبحت من المرتكزات الرئيسة في التعامل مع المسلمين والجاليات الإسلامية في الغرب من جانب الشعوب بوجه أخص في الإسلام والتي رسمت وتلونت بأيدي صهيونية والتي حصرت الإسلام في صورة العنف والإرهاب، فلا شك أن الحوار أو المؤتمرات التي تقوم على التعريف بالإسلام ونبذه للعنف والإرهاب تصب في مصلحة الدعوة الإسلامية.
3. الاتفاق على ثوابت أخلاقية مشتركة في محاولة لمواجهة الانحراف الأخلاقي: كحرمة الاغتصاب واللواط والقتل بغير حق ..... إلى غير ذلك.
4. تبادل الخبرات الفكرية والثقافية والتقنية, ولاشك أن الدول الإسلامية تقع في جانب المستفيد الدائم في هذا النوع من الحوارات.
3- ضوابط الحوار:
عدم التنازل على الثوابت والمرتكزات الأساسية: والتي تشمل الأمور الثوابت الدينية والقضايا الإسلامية على حد سواء.
فمن الثوابت الدينية:
1- أن الدين الإسلامي قد جاء ناسخًا للشرائع السماوية التي سبقته فلا يجوز بأي حال القول بأن كل الأديان السماوية عند الله سواء وأن 'وحدة الأديان' ـ بمعنى أن الاتفاق على مبادئ مشتركة بين الأديان السماوية ـ وربما غير السماوية وأن كل من آمن بها فهو مؤمن ـ أمر مقبول فهذا مما يفرغ الرسالة الإسلامية من مضمونها , قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ﴾ [110] سورة آل عمران ,وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [48] سورة المائدة , وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [143] سورة البقرة .