إن رسالة الإسلام هي رسالة عالمية موجهة للبشرية جمعاء لأنها تأمر المسلمين بمكارم الأخلاق وبالتسامح والإخاء والتعاون على أساس أن البشرية تشكل وحدة إنسانية متكاملة ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ النساء- 1<·
لأجل ذلك اخترقت الرسالة المحمدية الحدود الزمانية فامتدت خمسة عشر قرنا من الزمان وستبقى خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو القائل سبحانه :﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، واخترقت أيضا الحدود المكانية فامتدت عبر مشارق الأرض ومغاربها، واحتوت كل اللغات فأسلم العجم والعرب· واخترقت الكثير من المعتقدات فآمن كثير من اليهود والنصارى وأصحاب العديد من الديانات الوثنية· واخترقت ا لحدود النفسية حين حصحص الحق بأحقية الإسلام، وبطلان ما سواه كل ذلك لأنه دين العدل المطلق والتسامح المثالي الذي يدعو إلى الحوار المستمر والهادف مع الإيديولوجيات والمعتقدات لأجل بسط صورة الوسطية المتمثلة في مبادئ الرسالة المحمدية رسالة الكون أجمع·
إن رسالة الإسلام تحث على تعميق التساكن والتعايش السلمي العالمي بين أبناء الشعوب عن طريق الاندماج والانصهار والتعارف بما يفضي إلى إسعاد بني البشر والتسليم المطلق لله الواحد القهار وهو القائل سبحانه: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات -13<
وقيم الإسلام المثلى تصلح لكل زمان ومكان وتنصهر مع التصورات والأفكار الجديدة التي أنتجها عصر العولمة والتكنولوجيا الحديثة ومبادئ الديموقراطية والحداثة المبنية على ثقافة الحوار وقبول الآخر قال تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ >الفرقان-1<·
غيرأن هذه الأطروحات الجديدة إذا أفرغ محتواها من تلك الروح الربانية الخلاقة، فشلت في أداء وظيفتها،وذهبت أدراج الرياح·من هنا فأسمى ما ينبغي أن تقدمه هذه التصورات هو إسعاد الإنسانية وخلق أجواء التضامن والمحبة والتعايش وطرد الظلم والاستبداد والأنا· وبلوغ هذه الأهداف رهين بالتمثل بروح الإسلام وقيمه لأن الحياة لا يمكن أن تدب في الإنسانية إلا بوحي من الله وروح منه كما ذكر في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾>الأنفال - 24<
وقوله تعالى أيضا ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ >الشورى-52<·
فكلمات الله التي لا يسعها مداد بحار الدنيا هي القادرة على بعث الحياة في كل أمة موات· لأن مفهوم الحياة هو خلق التوازن بين المادة والروح·
لكن ما نأسف له في أزماننا وبخاصة في المجتمعات الإسلامية هو ذلك التأثر العميق بالماديات والتسابق نحو تحقيق الذات بالصورة المادية غافلين الجانب الروحي لهذه الذات التي لا يمكنها أن تعيش منفصلة عنها· وأزكى ما ننعش به ذواتنا هو تقوى الله عز وجل والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه·
وقد أثبت الطب النفسي الحديث أن الإنسان الذي يعيش حياة مؤمنة تقية طاهرة بطهارة الإسلام ينعم بنفس مطمئنة هادئة ،لا تصيبه حالات الاكتئاب النفسي أو بعض الأمراض المتفشية كمرض الصرع أو انفصام الشخصية، فالاعتقاد بالله وإشباع الروح بالإيمان القوي يملآن قلب المؤمن ويجنبانه كل العاهات النفسية التي تحبط كيانه النفسي مصداقا لقوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ >الرعد- 28<·
بينما النفس الأمارة بالسوء تكون مريضة يعتريها الخوف الدائم والارتباك المدمر، والحفاظ على الشعائر الدينية يقوي القدرة على التحكم في الغرائز، ويمنع الدوافع التي تكسر الحدود الاجتماعية للسلوك، فهي بذلك موانع قوية لدوافع منزلقات أخلاقية·