عالمية الرسالة المحمدية التجليات والمقاصد
كثيرة هي النصوص القرآنية الكريمة التي تحدد بدقة متناهية وظيفة ومقصدية دعوة رسولنا الكريم، المبعوث رحمة للعالمين أجمعين سيدنا محمد عليه أزكى الصلاة والتسليم·
هذه الدعوة التي حددها الخالق عز وجل في كون محمد عليه السلام بعث بشيرا ونذيرا للناس كافة دون استثناء أو تخصيص·
قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ >سبأ- 28<·
وقال تعالى أيضا: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ >الفرقان -1<·
وتؤكد كثير من الآيات على عالمية رسالته كما في قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾ >الأعراف- 158<·
وفي قوله تعالى: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين· ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ ص: 87-88 ·
لقد بعث محمد [ هاديا وداعيا إلى الحق وسراجا منيرا مستنيرا بتوجيهات ربه الذي أرسله بالهدى قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾ >الصف - 9<·
ودليله في هداية القرآن الكريم للناس أجمعين ذلك الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه >كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير ولا استدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة< (1)·
ولما جاءت دعوته [ شاملة لكل الناس جاءت رحمته أيضا شاملة لكل الناس قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ >الأنبياء- 107<·
ولقد أكد [ هذه العالمية في حديث رواه جابر ] أن رسول الله [ قال: >أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أبيض وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا···<·
ومن مظاهر عالمية دعوته: رسائله [ إلى الأمراء والملوك التي يدعوهم فيها إلى الإسلام·
لما رجع [ من الحديبية كتب إلى الروم وفارس والحبشة وغيرهم يدعوهم إلى الإسلام، فبعث بكتبه مع رسله إليهم وخرج [ على أصحابه ذات يوم بعد الحديبية فقال لهم: >إن الله بعثني للناس كافة<· وأمرهم أن يؤدوا عنه ونهاهم أن يختلفوا عليه كما اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام، فبعث [ ستة رسل حيث أرسلوا كلهم في يوم واحد· وأول الرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة فأسلم وحسن إسلامه· وثانيهم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم (1) واسمه هرقل فهم بالإسلام فلم توافقه الروم فخافهم على ملكه وضنّ به فلم يسلم، ولما قرأ كتاب النبي [ طواه ثم رفعه وعظمه فروي أن النبي [ قال فيه: >ثبت ملكه< (2)·
وثالثهم عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس فلما قرأ كتاب النبي [ مزقه فدعا عليهم [ >أن يمزقوا كل ممزق< (3)·
ورابعهم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية واسمه جريج ابن مينا فأكرمه·
وبعث إلى النبي [ بجاريتين وهما مارية بنت شمعون أم إبراهيم وأختها سيرين·
وخامسهم شجاع بن وهب الأسدي إلى ملك البلقاء الحارث بن أبي شمر الغساني(4)·
وسادسهم سليط بن عمرو القرشي إلى هوذة بن علي ملك اليمامة فلم يسلم (5)·
وبعث [ عمرو بن العاص إلى ملكي عمان وهما جيفر وعبد ابنا الجلندي فأسلما· وبعث [ العلاء بن الحضرمي ومعه أبو هريرة إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين(6)·
هذه بعض رسائله [ إلى الملوك في مختلف بقاع العالم وهي أكبر دليل على عالمية رسالته ، وأنها وصلت في عهده [ إلى الأقطار والدول عبر سفرائه ووزرائه رضوان الله عليهم وهم صحابته الكرام·
فهي بذلك رسالة :امتدت طولا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضا حتى انتظمت آفاق الأمم وامتدت عمقا حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة ··· فالإسلام جاء لإصلاح المجتمع وسياسة الدولة وبناء الأمة ونهضة الشعوب وتجديد الحياة تماما مثلما أنه عقيدة وشريعة ودعوة ودولة وسلام وجهاد وحق وقوة وعبادة ومعاملة ودين ودنيا< (7)·