ولأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور
قال تعالى : ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (1) سورة إبراهيم
لتخرج هذه البشرية من الظلمات . ظلمات الوهم والخرافة . وظلمات الأوضاع والتقاليد . وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة , وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين . . لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور . النور الذي يكشف هذه الظلمات . يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير . ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد .
والإيمان بالله نور يشرق في القلب , فيشرق به هذا الكيان البشري , المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة روح الله . فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة , وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة . طينة من لحم ودم كالبهيمة , فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها . لولا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله , يرقرقها الإيمان ويجلوها , ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم , ويشف بها هذا الكيان المعتم .
والإيمان بالله نور تشرق به النفس , فترى الطريق . ترى الطريق واضحة إلى الله , لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب . غبش الأوهام وضباب الخرافات . أو غبش الشهوات وضباب الأطماع . ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار .
والإيمان بالله نور تشرق به الحياة . فإذا الناس كلهم عباد متساوون . تربط بينهم آصرتهم في الله وتتمحض دينونتهم له دون سواه , فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة . وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة . معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه . فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه .
والإيمان بالله نور . نور العدل . ونور الحرية . ونور المعرفة . ونور الأنس بجوار الله , والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السراء والضراء . ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء .
والإيمان بالله وحده إلها وربا , منهج حياة كامل لا مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور . . منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده , والدينونة لربوبيته وحده , والتخلص من ربوبيات العبيد , والاستعلاء على حاكمية العبيد . .
وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشرية , ومع الحاجات الحقيقية لهذه الفطرة , ما يملأ الحياة سعادة ونور وطمأنينة وراحة . كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصما من التقلبات والتخبطات التي تتعرض لها المجتمعات التي تخضع لربوبية العبيد , وحاكمية العبيد , ومناهج العبيد في السياسة والحكم وفي الاقتصاد والاجتماع , وفي الخلق والسلوك , وفي العادات والتقاليد . . وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشرية أن تبذل في تأليه العبيد , والطبل والزمر للطواغيت !!!
وإن وراء هذا التعبير القصير: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . .) لآفاقا بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب . وفي عالم الحياة والواقع , لا يبلغها التعبير البشري ولكنه يشير !
(لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . . بإذن ربهم) . .
فليس في قدرة الرسول إلا البلاغ , وليس من وظيفته إلا البيان . أما إخراج الناس من الظلمات إلى النور , فإنما يتحقق بإذن الله , وفق سنته التي ارتضتها مشيئته , وما الرسول إلا رسول !
(لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم) . . (إلى صراط العزيز الحميد) . .
فالصراط بدل من النور . وصراط الله:طريقه , وسنته , وناموسه الذي يحكم الوجود وشريعته التي تحكم الحياة . والنور يهدي إلى هذا الصراط , أو النور هو الصراط . وهو أقوى في المعنى . فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون . هو السنة . هو الناموس . هو الشريعة . والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطيء الإدراك ولا تخطيء التصور ولا تخطيء السلوك . فهي على صراط مستقيم . . (صراط العزيز الحميد) . . مالك القوة القاهر المسيطر المحمود المشكور . (الظلال)