------------------
ولأنه بصائر وهدى ورحمة
قال تعالى : ﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ ﴾ (20) سورة الجاثية
ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة . فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن الأمور . وهو بذاته هدى . وهو بذاته رحمة . .
ولكن هذا كله يتوقف على اليقين . يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك ; ولا يخالطها قلق , ولا تتسرب إليها ريبة . وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه , فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد . وعندئذ يبدو له الطريق واضحاً , والأفق منيراً , والغاية محددة , والنهج مستقيماً . وعندئذ يصبح هذا القرآن له نوراً وهدى ورحمة بهذا اليقين . ( الظلال)
وفي أضواء البيان - (ج 7 / ص 299)
الإشارة في قوله ﴿ هذا ﴾ للقرآن العظيم .
والبصائر جمع بصيرة والمراد بها البرهان القاطع الذى لا يترك فى حق لسباً كقوله تعالى : ﴿ قُلْ هذه سبيلي أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ ﴾ [ يونس : 108 ] أي على علم ودليل واضح .
والمعنى أن هذا القرآن براهين قاطعة ، وأدلة ساطعة ، على أن الله هو المعبود وحده ، وأن ما جاء به محمد حق .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس جاء مضحاً في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أخريات الأعراف ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ الأعراف : 203 ] وقوله تعالى فى الأنعام ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [ الأنعام : 104 ] وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة ، ذكر تعالى مثله فى سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة فى قوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [ القصص : 43 ] .
وما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع .
أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة قريباً .
وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له فى الكهف فى الكلام على قوله تعالى ﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ [ الكهف : 65 ] ، وفى أولها فى الكلام على قوله تعالى ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ [ الكهف : 1 ] . وفى فاطر فى الكلام على قوله تعالى ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ [ فاطر : 2 ] . وفى الزخرف فى الكلام على قوله : ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّك ﴾ [ الزخرف : 32 ] الآية .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أي لأنهم المنتفعون .
وفى هذه الآية الكريمة سؤال عربى معروف .
وهو أن المبتدأ الذى هو قوله ﴿ هذا ﴾ اسم إشارة إلى مذكر مفرد ، والخبر الذى هو بصائر جمع مكسر مؤنث .
فيقال : كيف يسند الجمع المؤنث المكسر الى المفرد المذكر؟
والجواب : أن مجموع القرآن كتاب واحد ، تصح الإشارة إليه بهذا ، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة ، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كام لا يخفى .
--------------------