حاجة الإنسان إلى الرسل والرسالات
بقلم: الدكتور وائل مصطفى أبو الحسن*
النفس الإنسانية كما نعيها ونفهمها على الرغم من شذوذات وانحرافات الكثيرين عما يوافق طبيعتها ويلائمها. إنها جسد وروح، عقل وقلب، سوية بحكم الطبيعة والفطرة. إنها عالم ضخم .. عالم انطوى فيه العالم الأكبر.
وهي بما أودع الله فيها من الغرائز والطبائع والفطر، والسمات والصفات والخصائص الإنسانية الفذة الفريدة تعتبر منبع شتى طاقات الإنسان الجبارة، ومنبع شتى استعداداته وقدراته المختلفة، سواء الفطرية الطبيعية الراسخة منها في الأعماق، أو المكتسبة المتعلمة بفعل التجربة والمراس، وعمليتيّ التربية والتعليم، وما ينبثق عادة عن عملية التنشئة الاجتماعية من تبني أعراف وعادات وتقاليد، وقيم وأحكام وموازين ومعايير.
فكون الإنسان مزدوج الطبيعة التكوينية، ومزدوج الاستعداد والاتجاه، فإنه ولا شك عرضة للاستجابة إلى ما يحيط به من ميراثٍ ومؤثرات خارجية مناهضة لطبيعته الخيّرة التي فطر عليها لقد أصبح الإنسان بفعل هذه الغرائز والطبائع والفطر، والسمات والصفات والخصائص يستطيع أن يقوم بواجبه في عمارة هذه الأرض خير قيام؛ فهو صاحب الوعي والشعور والإدراك، وهو صاحب الإرادة الفاعلة، والحرية السارية. فمن خلال إعمال هذه الطاقات يمكن له أن يفيد ويستفيد مما خلق وسخر له من الموجودات المتناثرة في هذا الوجود، خاصة تلك الآلاء المتناثرة على وجه هذه المعمورة، وفي باطنها، وكل ما يحيط بها من أغلفة غازية، ومجالات جوية، وما هي عليه من طبقات علوية وسفلية .. وما يلفها من بحار ومحيطات وأنهار، بل يمكن له أن يفيد ويستفيد من الشموس والكواكب والنجوم والأقمار المبثوثة في كون الله الفسيح المتراميّ الأطراف؛ وذلك لما فيه خيره وخير من هم حوله من الإنس والجن.
وبالفعل، فلقد تم للإنسان فعل مثل ذلك. فقد استطاع منذ زمن، وبأمر من الله تعالى وتيسيره أن يقتحم أسرار الصحاريّ والجبال وأعالي الهضاب، ومن خلال ما أودع فيه وركب في كيانه من آلاء ومواهب أن يغوص في أعماق البحار والمحيطات والأنهار، وأن يخترق بعض طبقات الأرض وما يلفها. بل كانت النقلة النوعية يوم أن انتفع الإنسان بعقله وعلمه ووصل أرض القمر وحط بقدميه على ترابه. وها نحن اليوم ما زلنا نسمع كثيرا عن خطط مستقبلية لبناء مستعمرات إنسانية على سطح القمر وكوكب المريخ. ونسمع كثيراً عن استفادته الجمة من الطاقة الشمسية على الرغم من بعد الشمس عن كوكبنا الأرضي ملايين الكيلومترات(1). وكل يوم جديد يطلع معه كشف علمي وفتح جديد. وكل هذا بفضل الله تعالى وكرمه ومنّه علينا - نحن بني الإنسان – كي نشكر ولكي نعمر هذه الأرض ونستعمرها كما أمرنا الله تعالى وبين لنا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. والله يقول: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾(2).
حاجة الإنسان إلى الرسل والرسالات
ولكي لا تتعرض فطرة الإنسان المستخلف في هذه الأرض إلى التقهقر والتراجع والارتكاس. وتتعطل قواه وطاقاته الفطرية وينفصل عمل بعضها عن عمل البعض الآخر، كان حتماً تربيتها وتقويتها، والعمل على حفظها وصونها، وتوجيهها الوجهة التي وجد من أجلها الإنسان، ووجدت من اجله لتحقيق تلك الوجهة العظيمة وتلك الغاية النبيلة التي هي شرف كل إنسان، ألا وهي عبادة رب العباد، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. فبدون توجيه وتوجه الإنسان إلى ذلك. وبدون تربيته على ذلك، يحدث له الاغترار في الحياة الدنيا، ويقع منه الكبر والاستكبار في هذه الأرض، وبالتالي يسير ويصير إلى ما لم يخلق من أجله الوجود والخلق، ألا وهو الإعراض عن ذكر الله تعالى وعبادته وإقامة أمره ودينه وشرعته.