تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-----------------

أثر البيان القرآني في تثبيت العقيدة

لم يكن شيء أكثر قدرة على تغيير مشاعر وانفعالات وأحاسيس الإنسان العربي من العبارة البيانية البليغة المؤثرة بدلالتها وإيحائها ورمزها وإيمائها، كانت الكلمة البليغة المحكمة تفعل فيه ما لا يفعله السحر الذي كان يؤمن به، وتغير أوضاعه من حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، فترى حزنه قد تحول إلى فرح، وسخطه إلى رضى، وصراخه إلى صمت، وانفعاله إلى طمأنينة وسكينة· كان تأثير الكلمة أقوى من ضربة سيف، وطعنة رمح، بل أكثر من منازلة جيش جرار بعدته وعتاده، وكم من كلمة شاردة أججت حرباً ضروساً قضت على الأخضر واليابس، وكم من كلمة محكمة بليغة شريفة أخمدت فتناً وحروباً ما كانت لتهدأ بالجيوش الجرارة، وكم من كلمة طيبة ضمدت جروحاً عميقة كانت تفرق بين الأخ وأخيه، وبين أفراد العشيرة الواحدة، وكم من كلمة طيبة بدلت اليأس والقنوط أملاً، والخوف والفزع رجاء، والكره والبغضاء محبة، وبالكلمة وحدها تغلب الإنسان العربي على جدب الصحراء، وشظف العيش، وقساوة الطبيعة· وبالكلمة الطيبة التي بشر بها الإسلام، كلمة التوحيد والسلام والمحبة توحدت القبائل العربية بعد تمزق وقتال، وتأسست الدولة الإسلامية قوية البنيان، عزيزة الجانب، منيعة الأركان، هدت عروش الطغاة الجبابرة، ونشرت عدلها في أقطار المعمورة، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، ونعمت الإنسانية في حكم الدولة الإسلامية بظلالها الوارفة، وثمارها الطيبة بالمساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية فامتدت جذورها، وتشعبت فروعها عريزة قوية منيعة، مصداقاً لقوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيِّبة كشجرة طيِّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء· تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) إبراهيم:24ـ25·

وإذا كان للكلمة هذا السلطان القوي في النفوس، وهذا السحر العجيب في العقول، فإن الشرفاء والعقلاء، وأهل الخير والصلاح والفضل كانوا يخشون أثرها القوي في النفوس ولا سيما كلمة الذم والفحش، لأنهم يعلمون أنها إذا خرجت لا يستطيع أحد ردها، أو تغيير مسارها، ولذلك كان الإنسان العربي الذي ولد في بيئة الفصاحة والبلاغة، وشب في منهلهما العذب أكثر الناس معرفة بأثرها، وبقدرة تغلغلها في القلوب، وقوة سلطانها على العقول والنفوس، وقد كان العرب في محافلهم ونواديهم وأسواقهم الأدبية، وفي كل تجمع يريدون منه تحقيق هدف مادي أو معنوي في السلم والحرب، يقدمون خيرة الخطباء والشعراء والبلغاء والفصحاء ليعددوا ببلاغة وفصاحة وبيان مناقبهم وأنسابهم وأحسابهم وأمجادهم أمام الوفود والجماعات· ومن هنا ندرك السبب الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمد على حسان بن ثابت، رضي الله عنه، في الرد على شعراء المشركين حينما اشتعلت حرب الكلمة بين المسلمين وأعدائهم، لأن حسان، وهو الشاعر الفحل المتمرس بالكلمة قبل مجيء الإسلام، كان أقدر شعراء الإسلام على القيام بهذه المهمة الجليلة في مرحلة قيام الدولة الإسلامية التي كانت تحتاج إلى قوة السيف لرد كيد الكائدين، وإلى الكلمة الحادة القوية التي تفحم أعداء الدعوة، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستدعيه للرد على وفود قبائل العرب التي كانت تأتي لتقديم البيعة وإعلان إسلامها حين أتم الله نعمته على المسلمين بفتح مكة، معقل الشرك، وموطن العصبة الضالة التي ناصبت العداء للرسول صلى الله عليه وسلم طوال ثلاثة وعشرين عاماً حتى هزم الله الأحزاب· وقد كانت الوفود تصحب معها أشرافها وخطباءها وفحول شعرائها، فكانوا يقفون أمام الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرون ماضيهم وساداتهم وأشرافهم وأمجاد قبيلتهم، كقول الزبرقان بن بدر، وكان في وفد تميم:

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٦