فماذا أبقى القرآن من شأن أو قضية!! وبصيغة واحدة، بل بلفظة واحدة يعبر بها عن كل قضية وشأن، بذات العبارة واللفظ، ليدلنا على شمولية خطابه.
بل إن القرآن الكريم ينعى على الذين يحاولون إقامة الدين في جزء وطرف مع إهمال البقية التي لا ينفك قيام الدين عنها، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين﴾ (الحج:11).. وهذا مصير من يقيم طرفاً من الدين مع إهمال غيره، ويهتم بشأن واحد منه دون سواه.. والدين كل لا يتجزأ ما أمكن إقامته، وإلا يتقلب بين الفتنة والخسران في حياته الدنيا وفي ا لآخرة.
جوانب الشمولية:
شمولية الخطاب الإسلامي نجدها في القضايا والموضوعات، ونجدها في المدعوين والمخاطبين من جماهير الناس، ونجدها في الدعاة العاملين، ونجدها في الأمكنة وفي الأزمنة كذلك.
1- شمولية الخطاب من حيث الموضوعات:
إذ الخطاب الإسلامي صيغ لينطلق داعياً إلى إقامة الدين وسياسة الدنيا به، وهو دعوة لجعل الحياة كلها تقوم وتمضي وتُرسى أركانها وقوائمها ومقوماتها على أهداف الإسلام وغاياته ومقاصده.
لذلك، لم يتخلف شأن عن مضمون الخطاب ومقصوده، فجاء دعوة أخلاق وسلوك وآداب، كما هو دعوة عبادة وذكر وجهاد، كما أنه دعوة صدق وزهد وتوكل وإخلاص، كما كان دعوة توحيد في الاعتقاد والتعبد والتوجه، وهو دعوة علم وعمل، ودعوة معاملات مدنية، وعلاقات اجتماعية وسياسية ودولية. إذن دعوة الإسلام دعوة إلى كل ما يحيي البشر ويسعدهم، وبهذا جاء النداء الإلهي للمؤمنين يقول لهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ (الأنفال:24).
إنه شمولية عبادة، والعبادة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة)(11).. ولقد رأينا كيف أنكر القرآن على الذين يقطعون العبادة تقطيعاً ينتحون بها ركناً قصياً، يتشبثون بفرع، قابضين على حرف، وقائمين على طرف واحد يعبدون الله عليه، فقال عنهم، في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ (الحج:11)(12).
وهو شمولية اعتقاد لأنه لا انفصام في العروة الوثقى بين التعبد والاعتقاد، والعبادة لا تصح إلا على الإخلاص وتوحيد المعبود الحق، والاعتقاد الحق لا يكون أبداً في خلو العبادة، وحقيقته توحيد الله في كل أمر ليستسلم له عز وجل: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ (آل عمران:154) . فأمر الربوبية لله، وأمر الألوهية لله، وأمر الحاكمية لله، وأمر السلطان لله، وأمر المال كله لله، وكل أمرٍ لله بما يقر في القلب اعتقاداً، ويظهر في الجوارح شعائر، ويوجه الأحوال في واقع الناس شرائع، وهكذا..
2- الشمولية من حيث الدعاة:
وذلك من جهة أن وجوب الدعوة إلى الله شمل الجميع ممن اتبع النبي صلّى الله عليه وسلّم، كلا ًحسب طاقته وقدرته وعلمه.
منهم من يدعو إلى الله بالتزامه في نفسه والمحافظة على التزامه..
ومنهم من يدعو إلى الله بالبيان والتعليم..
ومنهم من يدعو إليه بالحوار والمجادلة والمناظرة..
ومنهم من يدعو بالقتال والجهاد..
ومنهم من يدعو إلى الله بالاعتراك السياسي، والتسابق
الاقتصادي، والإصلاح الاجتماعي، والتصارع الحضاري.
وهكذا فالجميع دعاة إلى الله، كل بحسب ما يطيقه ويقدر عليه وما عنده مما يمكن الإسهام به في توجيه الخطاب، إما خطاب الالتزام والحال والقدوة، أو خطاب المجادلة بالحسنى، أو خطاب المقاتَلة والمواجهة، أو خطاب المقابلة -في السياسة والحكم والمال والتقنية...- إلى غير ذلك.. وكلٌ ميسر لما خلق له.
3- الشمولية من حيث المدعوون:
وقد شمل خطاب الدعوة جميع من يمكن أن يدعى إلى الإسلام، واستغرق كل من كان فيه وظائف واستعدادات التمكين والتفكير والاختيار والتصرف، واستوعبهم .