تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الشروط والأوصاف وجدت في الإنس والجن، ولذلك جاء خطاب الإسلام إليهما، قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات:56).. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ (الأنعام:130).

ورسولنا صلّى الله عليه وسلّم كما أنه مرسل إلى الناس، كذلك هو مرسل إلى الجن، وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هبطوا -يعني الجن- على النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من يستمعون القرآن ...﴾ (الأحقاف:29)(13).

وفي السيرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما انصرف من الطائف إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى وهم سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه صلّى الله عليه وسلّم في قوله عز وجل: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن﴾(14).

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: (قلت لابن مسعود: هل صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجن منكم أحدٌ؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا قد فقدناه ذات ليلة، فقلنا اغتيل، استُطير، ما فعل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح، أو قال في السحر; إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذي كانوا فيه، فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم)(15).

4- الشمولية من حيث الأمكنة:

وذلك أن رسالة الإسلام لم تكن كسائر الرسالات والدعوات محدودة بمكان أو بلد أو قوم أو أمة أو شعب أو إقليم، بل هي دعوة شاملة لكل الأمكنة.. حيث وُجد الناس يجب أن يصل الخطاب يصلح أحوالهم، ويصيغ لأوضاعهم، ويصبغ حياتهم بصبغة الإسلام، فما من مكان إلا ويجب أن يجيء البلاغ المبين، ويبلغه أمر الله ما بلغ الليل والنهار، وفي حديث أحمد يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (ليبلُغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترُكُ اللهُ بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)(16).

وفي صحيح مسلم وغيره، يبشر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)(17).

5- الشمولية من حيث الأزمنة:

والدعوة إلى الإسلام هي دعوة الزمان كله، ليست دعوة موقوتة بعصر معين أو جيل محدود، أو زمن مخصوص، تخاطب أمة بعينها أو شعبًا من الشعوب فينتهي خطابها بانتهائه أو تزول بزواله; بل هي الدعوة التي تخاطب الأزمنة كلها والأعصار جميعها والأجيال جيلاً بعد جيل، ما دامت السموات والأرض وما تداول الليل والنهار.. إنها الخطاب الذي توجه إلى الناس أيام آدم وحواء يلقي إليهما وذريتهما أمانة التكليف في الأرضين، يقول تعالى لهما وللناس أجمعين: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ (البقرة:38-39).. ثم يمضي يتوجه للناس إلى يوم يبعثون بدعاية الحق والخير والبر والفضيلة. فمن تنبه وعقل والتزم، عمل ونجى. ومن غفل وجهل وعصى وحاد وأبى، ندم حين لا ينفع الندم، وتحسر ساعة لا تجدي الحسرات، ولات ساعة مندم ولات حين مناص: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يؤفكون. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم تعلمون﴾ (الروم:55-56).

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٥٥