تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاتقوا الله عباد الله: واستجيبوا لأمر الله وأمر رسوله، فإن فيهما فلاح العبد وفوزه في الدنيا والآخرة، وإن بالإعراض عنهما ومخالفة أمرهما خسارة الدنيا والآخرة. والله أعلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين،ولا عدوان إلا على الظالمين،والعاقبة للمتقين،والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين،وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعدُ:

فإن من فوائد وثمار الاستجابة لله ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-: أن الاستجابة لله ولرسوله إنما تكون على عقيدة صحيحة وسليمة, وبهذه العقيدة تحيى القلوب, والعقول، وتطلقها من قيود الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن العبودية لغير الله.

ثم إن الاستجابة هي أن يلتزم المسلم شريعة الله وحده, ويعلن التحرر من قوانين المخلوقين، فيقف المسلمون صفاً واحداً، لا يتحكم فيهم فرد، ولا طبقة، ولا جنس، ولا قوم، ولكن تحكمهم شريعة الله رب العباد"(7).

قال البخاري:"استجيبوا" أجيبوا "لما يحييكم" أي لما يصلحكم. عن أبي سعد المعلى-رضي الله عنه-قال كنت أصلي فمر بي النبي-صلى الله عليه وسلم-فدعاني فلم آتيه حتى صليت، ثم أتيته، فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾, ثم قال لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج" فذهب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ليخرج فذكرت له"(8).

أيها المسلمون: إن قوله- تعالى-:"لما يحييكم", وصف ملازم، لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته،فإن حياة القلب، والروح،بعبودية الله-تعالى-،ولزوم طاعته،وطاعة رسوله،على الدوام، ثم حذر من عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه، إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها، أنى شاء. فليكثر العبد قول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب،اصرف قلبي إلى طاعتك"(9).

ثم اعلموا عباد الله: أن من فوائد وثمار الاستجابة لله-سبحانه وتعالى-ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-هي مغفرة الذنوب,قال-تعالى-على لسان الجنِّ: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: من الآية31). أجيبوا داعي الله، أي: أجيبوا رسولَ اللهِ محمَّداً إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله,وآمنوا به يقول: وصدقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه, وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به, يغفر لكم,يقول: يسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها. ثم هي الحياة الحقيقية في الجنة فالجنة هي دار الحيوان، هي الدار التي تفيض بالحياة الحقيقية والحيوية، وفيها يتحدد مصير الإنسان الأبدي، بعد أن ينتقل من هذه الحياة الدنيا، فالدار الآخرة هي المتاع الذي ينبغي أن يحرص عليه المرء ولا يرضى به بديلاً، ولا يبغي عنه حولاً، ولذلك ينبغي الاستعداد والتأهُّب لتلك النهاية التي يصير إليها المرء، وعندئذ تنفتح أمامه آفاق سامية، وآماد بعيدة, ويرتفع إلى مستوى لائق بكرامته وإيمانه: ﴿ومَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ العنكبوت : 64

ثم يقول-سبحانه-:"ويجركم من عذاب أليم" أي ينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم وأنبتم من كفركم إلى الإيمان بالله"(10). فالذين يرفضون الاستجابة لله والرسول فإنهم يرفضون الحياة الكريمة اللائقة بالإنسان، فليس لهم إلا الذل ومصيرهم الهلاك، ومآلهم الدمار والبوار: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وبِئْسَ القَرَارُ﴾ إبراهيم : 28-29 . فما أعظم خسارة أولئك الذين آثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية الدائمة! وما أعظم ضلال أولئك الذين حصروا الوجود فيما تقع عليه حواسُّهم قريباً في الدنيا، ويحسبون أن وجودهم محصور فيها فلا يعملون لغيرها:

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٥٠