ولهذا فقد وضَّحَ-سبحانه وتعالى-الصِّراطَ المستقيم، وبيَّن رسولُهُ الطَّريقَ المؤدية إليه,فقال-صلى الله عليه وسلم-كما جاء من حديث النَّوَّاس بن سمعان-رضي الله عنه-,عن رسولِ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-قال: "إنَّ الله ضرب مثلاً صراطاً مُستقيماً, على كتفي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة, وعلى الصراط داع يدعو يقول: "يا أيها الناس اسلكوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا,وداعٍ يدعُو على الصراط فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب,قال: "ويلكَ لا تفتحْهُ فإنك إنْ تفتحه تلجه" فالصراط الإسلام, والستور حدود الله,والأبواب المفتحة محارم الله,والداعي الذي على رأس الصراط كتاب الله,والداعي من فوق واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم"(4). ففي هذا المثل الذي ضربه النَّبيُّ-صلى الله عليه وسلم-أنَّ الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر اللهُ بالاستقامةِ عليهِ-والاستجابة له، ونهى عن مجاوزة حدوده، ومن ارتكب شيئاً من المحرمات فقد تعدى حدوده"(5).
فالاستجابة لله ولرسوله: هي امتثال أمره من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وغيرها من الأعمال التي أمر الله بها، والاستجابة هي: اجتناب نهيه أيضاً، فلا تعصيه فتشرب الخمر، وتتعامل بالربا، وتأكل أموال الناس بالباطل، وتتحاكم إلى غير شريعته، وغيرها من الأعمال التي نهى الله ورسوله عنها.
أيها المسلمون: يا من قصر في طاعة الله!، ويا من سار في معصية الله!، ويا من عصى أوامر الله ورسوله!، إن الله-سبحانه وتعالى-يدعوك للاستجابة لأمره وأمر رسوله، فيناديك بأحسن الأسماء وأرفعها منزلة، إنها منزلة الإيمان، فيقول-سبحانه-:﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾، وهذا الخطاب هو لأصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إلا أنه عام لكل مؤمن ومؤمنة، ولكل مسلم ومسلمة.
ثم اعلم عبد الله: أن الله-سبحانه وتعالى-لما أمرنا بالاستجابة لأمره وأمر رسوله، إنما ذلك رحمة بنا، لكي لا نهلك بالذنوب والمعاصي التي نقترفها ليلاً ونهاراً، فالثمار التي يجنيها العبد من وراء استجابته لأمر الله وأمر رسوله عظيمة وجليلة، لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها, بل إنها هي الحياة الحقيقية، إذ كيف يتصور للإنسان أن يعيش حياة هو فيها غير مستجيب لله ولرسوله، لك أن تتخيل هذه الحياة، إنها حياة بهيمية، أما حياة المستجيب فإن لها ثماراً عديدة ومُتنوِّعة,فمن هذه الثمار والفوائد ما ذكره ابنُ القيِّم-رحمه الله-في تفسيرِهِ القيِّم، عند قوله-تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (لأنفال:24). قال: تضمنت هذه الآية أموراً:
أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة لله ولرسوله,فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له... فالحياة الحقيقة الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهراً وباطناً,فهؤلاء هم الأحياء،وإنْ ماتُوا. وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول-صلى الله عليه وسلم-,فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة,فمن فاته جزءٌ منه فاته جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول.
قال مجاهد( لما يحييكم)أي: للحق. وقال قتادة: هو هذا القرآن، فيه الحياة, والثقة, والنجاة, والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال السدي: هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر,وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة,وهي القيام بما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم- ظاهراً وباطناً.
فالإيمان, والإسلام, والقرآن, والجهاد, يحي القلوب الحياة الطيبة،وكمال الحياة في الجنة،والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة,وهو داعٍ إلى الحياة في الدنيا والآخرة"(6).