أما إذا تصادم الإنسان مع ما يتلاءم وطبيعته المفطور عليها، فانه لا محالة يكون من الفريق المرتكس المنتكس، وهنا في هذه الحالة المؤسفة، سرعان ما يتجذر الهوى في النفوس، ويهيمن على حياة الفرد والأسرة، والجماعة والمجتمع بأسرهما … وسرعان ما يسود الظلم والظلام، ويتمكنا من العقول والقلوب، وهنا يكون النكوص والارتكاس والانتكاس، وتنتشر الرذيلة وتنعدم الفضيلة بين الناس، ويكون الانحراف في الفكر والتصوّر والمعتقد والسلوك. والنتيجة علو في الأرض وفساد كبير، وحضارة مادية تسر الناظرين، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب؛ حضارة غافل أهلها عن الله وعن ذكر الله، وعما يوصل إليه تبارك وتعالى.
ومرة أخرى نؤكد على أن الفطرة الإنسانية خيرة بكل ما فيها من خصائص وسمات وصفات، وغرائز وطبائع وفطر. والإسلام هو المنهاج المناسب والملائم تلك الفطرة، وان كان من سبب، فهو كما يقول الشهيد سيد قطب: "ذلك أنه ( الإسلام ) يعتبر أن الأصل في الفطرة هو الاستعداد للخير، فالإنسان خلق في أحسن تقويم. وإنما يرتد اسفل سافلين حين يستسلم لغير منهج الله"(32). وهذا خلاف لما عليه المناهج الأرضية الأخرى والتي بعضها يتصادم مع الفطرة فيكبت دفعاتها وتطلعاتها إلى الحياة، والبعض الآخر تراه يطلق لها العنان بدون حدود ومن غير ضوابط أو قيود!!
ففي كلا الحالتين دمار الإنسان والإنسانية ولو بعد حين.
الفطرة الإنسانية ما لم تتعرض لأسباب وبواعث الشذوذ والانحراف فإنها تبقى على طبيعتها، يسر صاحبها إدراك الخير، واتباعه والعمل به، والأسى على اتباع الشر والركون إليه والعمل به. فالإنسان بطبيعته مخلوق شعوري يدرك طبيعة كل من الخير والشر واثر كل منهما على النفس والمجتمع. وما دام الإنسان صاحب إرادة فاعلة، ويتمتع بحرية عالية فانه مخير في هذه الحياة الدنيا ضمن دائرة التخيير التي ارتضاها له ربه وخالقه تبارك وتعالى رب العرش العظيم، وعليه تبعية ما يختار.
يدعو الإسلام إلى تحرير العقل الإنساني من الانقياد إلى الأهواء والتقليد والانقياد الأعمى إلى أهل الجاه والجبروت والسلطان أو أهل السلطات الدينية المنحرفة. فمن أعظم خصائص الدين الإسلامي احترام العقل البشري والاعتماد والتعويل عليه في التعرّف على حقائق الأمور، خاصة ما كان منها يتعلق بالكون أو الحياة أو الإنسان، واستقراء واستنتاج ما هو كائن وراء حقيقة الكون والإنسان والحياة
المصادر والمراجع
أولا: المصادر والمراجع العربيّة
1. المودوديّ: الدين القيّم. ( دون تحديد اسم الناشر ومكان النشر، وبدون تاريخ ).
2. سيد سابق: العقائد الإسلامية. بيروت: دار الفكر العربيّ ( بدون تاريخ ).
3. سيد سابق: دعوة الإسلام، ط1. القاهرة: دار الكتاب العربيّ، 1380هـ – 1960م.
4. سيد سابق: عناصر القوة في الإسلام، ط2. بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1393هـ - 1973م.
5. سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 5، ص: 94.
6. سيد قطب: في ظلال القرآن، ج7، ص: 541.
7. سيد قطب: هذا الدين، ط5. الاتحاد الإسلاميّ العالميّ للمنظمات الطلابيّة (مطبعة فيصل)، 1410هـ – 1989م.
8. عبد الحميد أبو سليمان: أزمة العقل المسلم، ط 3. الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي، 1414 هـ - 1994م.
9. علي كمال: الجنس والنفس في الحياة الإنسانية، ط1. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984م.
10. علي كمال: النفس ( انفعالاتها وأمراضها وعلاجها )، ط4/ ج1 + ج2. بغداد: دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع، 1988م.
11. محمد تقي الأمينيّ: الإسلام تشكيل جديد للحضارة، ترجمة: د. مقتدي حسين ياسين، مراجعة: د. عبد الحليم عويس. الرياض: دار العلوم للطباعة والنشر، 1402هـ – 1982م.
12. محمد سيد نوح: آفات على الطريق، ط2، ج1. المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1988م.