تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندما نوافق منهج الله

وما أن يتوافق الإنسان عن عقل وحرية وإرادة مع إرادة المنهاج الرباني، يكون الصلاح والبر والتقوى والفلاح، ويكون كل سلوك سوي متزن من حب وعدل وإخاء، ومساواة، وأمانة، وتقوى، وإخلاص، وصبر، وصدق، ومراقبة، ويقين وتوكل على الله، واستقامة على أمره تعالى دون سواه.

وأما إذا كان الأمر خلافاً لذلك، كأن يتصادم الإنسان ولا يتوافق بعقله وحريته وإرادته مع إرادة المنهاج الرباني، فعندئذ لا يكون إلا الطلاح والشر والتقهقر والانحراف، وكل سلوك متعجرف من كره، وظلم، وتنافر، وتدابر، وتناحر، وخيانة، وحيف، وجور، ورياء، وجزع، وهلع، وكذب، ومجاهرة في المعصية والسوء، وشك في الله تعالى، وضعف ويأس وقنوط، وطيش، وريبة، وسفه وجهل، وخصومة، وعجب، وعنجهية، وكبر، وغرور، وشهادة زور، وكل ما هو انحراف عن الجادة وسواء السبيل.

إنهما طريقان لا ثالث لهما: طريق السواء والصلاح والفلاح، وطريق التقهقر والانحراف، والإنسان بطبيعته الشعورية يفهم ذلك ويعي ويدرك معنى السواء من الانحراف، ويميز بين هذا وذاك. وبكل حرية وعن قصد وإرادة يستطيع أن يختار أي الطريقين يريد ﴿قد أفلح من زكّاها. وقد خاب من دسّاها﴾(30).

ومنهاج الله المنزل على آخر الأنبياء والمرسلين محمد – صلى الله عليه وسلم – هو بمثابة التدعيم الرباني للفطرة الإنسانية حتى تبقى على استقامتها وطبيعتها السوية. فالإنسان وإن كان مخلوقاً ومفطوراً على التمييز بين الخير والشر، ويتمتع بحرية وإرادة قد يعمل بمقتضاهما في هذه الحياة إلا انه عرضة للانحراف، ومن هنا نرى عدالة الله وهي تتجلى لرعاية هذا الإنسان الضعيف من خلال تنزيل منهاج له، منهاج ربانيّ المصدر، ربانيّ الإحكام، والوجهة والغاية والإلهام؛ وذلك ليكون غذاءً لعقل الإنسان وقلبه وروحه. بل ليكون دستوراً له في واقع هذه الحياة. وليحتكم إليه لا إلى هواه وليكون وعيه ومراده وخياره واختياره تبعاً لما جاء به الإسلام، منهج الله في واقع النفس والاجتماع والحياة.

عندما يختار الإنسان عن وعي وحرية وإرادة ما يناسب فطرته ويلائمها من إيمان بالله وكل ما جاء به منهج الله، عندئذ يسطع الحق والنور، ويعلو البناء، ويزدهر العمران وينمو بصورة مطردة، ويعلو صرح الحضارة، ويسود الأمن والاطمئنان وتكون السعادة والطمأنينة وسكينة الأرواح والقلوب.

يقول سيد قطب: "ولذا حين تطمئن نفس الإنسان بالإيمان فإنها تشتد عزيمتها، وتتوطد بذاتها ثقتها. والإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله تعالى على عباده المؤمنين. إنها المنّة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة، وتجعل له في نظام الكون دوراً أصيلاً عظيماً. وأول ما يصنعه الإيمان في الكائن البشريّ، حين تستقر حقيقته في قلبه، هو سعة تصوره لهذا الوجود، ولارتباطاته هو به، ولدوره هو فيه؛ وصحة تصوره للقيم والأشياء والأشخاص والأحداث من حوله؛ وطمأنينته في رحلته على هذا الكوكب الأرضي حتى يلق الله. وأنه بكل ما في الوجود وحوله، وأنه بالله خالقه وخالق هذا الوجود؛ وشعوره بقيمته وكرامته؛ وإحساسه بأنه يملك أن يقوم بدور مرموق يرضى عنه الله ويحقق الخير لهذا الوجود، لله بكل ما فيه وكل من فيه."

ثم تراه يقول: "ومن المحقق في علم النفس اليوم أن الإنسان كلما خرج من حدود المجال النفسي الضيق، وساح في آفاق الحياة الاجتماعية والنفسية والإنسانية، كان أصح نفساً وكان عقله أوسع أفقاً؛ وأصبح قلبه أهدأ وصار بالتالي أكثر تقبلاً لذاته وللآخرين.

فمن سعة تصوره أن يخرج من نطاق ذاته المحدودة في الزمان والمكان، الصغيرة الكيان، الضئيلة القوة، إلى محيط هذا الوجود كله، لما فيه من قوى مذخورة، وأسرار مكنونة؛ وانطلاق لا تقف دونه حدود ولا قيود في نهاية المطاف"(31).

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٣٨