وكما يقول الشيخ محمد عبده - رحمه الله تعالى: "وبالمعرفة من جانب، والإرادة ( الفاعلة ) من جانب آخر يستطيع المرء أن يبصر الطريق، ويسير على الجادة دون تعثر أو انحراف"(21).
الإسلام والحرية
ويبقى الإنسان حراً في الاختيار ومسؤولاً عما يختار، حتى وإن سلّم عقله وقلبه بالأمور؛ أي حتى وإن عرف الأمور وحقائقها، وكان مالكاً للإرادة القلبية الفاعلة تجاهها. فالاختيار هو مفترق الطريق الذي يحدد الإنسان من خلال الوقوف عنده نتائج اختياره واتخاذه للقرار، إما إلى السواء وإما إلى الانحراف. وهو في ذلك كما يصفه العلاّمة محمود شلتوت: "فهو ( الإنسان ) يفعل الخير مختاراً فيثاب عليه، ويفعل الشر مختاراً فيعاقب عليه، وبتلك الحرية، وهذا الاختيار كلفه الله وأرسل إليه الرسل لتهديه، وترشده، ثم تركه وما يختار لنفسه من مسلك الخير أو الشر، لا يدفعه بقوة خارجية عن نفسه إلى خير أو شر"(22).
موقف الإسلام من الخير والشر
وبعد أن يعرّفنا دين الفطرة بطبيعة كل من الخير والشر، وطريق كل منهما. نراه يأمرنا تكليفاً باتباع الخير وكل طريق موصل إليه، وينهانا عن الشر وكل طريق قد يوصل إليه. ولا شك يكون الفلاح إذا كان التوجه إلى الخير عن وعي ودراية وحرية وإرادة. أما إذا كان التوجه إلى الشر فلا شك أن في ذلك الطلاح. وصدق الله العظيم، القائل في محكم التنزيل: ﴿قد أفلح من زكّاها. وقد خاب من دسّاها﴾(23).
فمن جعل عقله خاضعاً لموازين ومعايير الشرع التي شرعها الله تعالى بعلمه وحلمه وحكمته، ولطفه وخبرته، ثم كان منه بعد ذلك أن وقف عند أوامر الله ونواهيه عن عقل ودراية، وحرية وإرادة، فإنه يكون بحق وحقيقة من أهل السواء والاتزان والاستقامة. ويكون بحق وحقيقة ممن عصمهم الله وهيئهم لحمل أعباء وتبعات الدعوة والرسالة والمكلف بحملها وإيصالها إلى الجميع كل إنسان بلغته وآمن بها، كل على حسب طاقته وسعته. ويكون بحق وحقيقة خليفة وسيداً في ارض الله تعالى.
فميزان الله دقيق، يعرّفنا بما هو خير وما هو شر. فما رغّب به الإسلام ودعا إليه فهو الخير، وما نفّر منه ودعا إلى حظره ونهى عنه فهو الشر.
وهذا كما يقول بعض أهل العلم:"مقياس صحيح تقاس به جميع الأفعال .. ويمتاز بأنه من الله .. ثابتاً لا يختلف باختلاف الأشخاص، ولا باختلاف الأحوال، والبيئات"(24). ورحم الله تعالى علاّمة الهند، الأستاذ محمد تقي الأميني إذ يقول: "ولو ترك هذا المقياس ( مقياس الخير والشر ) للإنسان لاتسع المجال للهوى، وانقلب الخير شراً، والشر خيرا"(25). ولكن بفضل الله تعالى وعدله وتقديره وكرمه ومنه أن جعل مقياس الأقوال والأفعال، كتاباً من عنده، محكم في آياته، قطعي الثبوت، لا يأتيه الباطل، لا من خلفه ولا من بين يديه. فيه ما فيه من الإجمال والإيجاز، والوضوح والإعجاز، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد.
ولا يخفى على أحد منا ما قد تؤول إليه الأمور عندما يحتكم العقل الإنسانيّ إلى مقياس الهوى أو غيره. فأقل النتائج التيه والضلال، والظلم والظلام ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾(26). ويكون حال ومثل من هذا هو ديدنه كحال من ﴿#خلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾(27).
نعم، هذا حال من ينسلخ عن آيات الله تبارك وتعالى، ويتبع بواعث الضلال والانحراف، وعلى رأسها اتباع الهوى. وهذا السلوك هو دليل العجز النفسي عند كل من يلجأ إليه، فـ[ الكيّس من دان نفسه ( حاسبها ) وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ](28).
أما عندما يحتكم العبد إلى الحق ويجعله عقله الذي يعقل به، وهواه الذي تهوى نفسه فانه بحق يكون خليفة وسيداً في ارض الله التي جعلها وسخّرها تبارك وتعالى لخلقه وعباده. ونحن أولاً وأخيراً مأمورون باتباع الحق واجتناب الهوى ﴿يا داوود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾(29).