وصدق الله العظيم، القائل في محكم التنزيل: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾(14)، وهو القائل: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً. رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً﴾(15).
وصدق الصادق المصدوق، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل عن نفسه: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلاّ وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين»(16).
الإسلام والعقل
وهذا الدين القيم، ومنذ أن جاء إلى البشرية تراه لا يفرض نفسه على العقول والقلوب فرضاً، ولا يكره أحداً على اعتناق أفكاره ومبادئه وتصوراته ﴿لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾(17).
فهو ابتداء ً يدعو إلى تحرير العقل الإنساني من الانقياد إلى الأهواء والتقليد والانقياد الأعمى إلى أهل الجاه والجبروت والسلطان أو أهل السلطات الدينية المنحرفة. فمن أعظم خصائص الدين الإسلامي احترام العقل البشري والاعتماد والتعويل عليه في التعرّف على حقائق الأمور، خاصة ما كان منها يتعلق بالكون أو الحياة أو الإنسان، واستقراء واستنتاج ما هو كائن وراء حقيقة الكون والإنسان والحياة.
لقد أشاد القرآن في آيات كثيرة بقيمة العقل ودعا إلى التفكر والتأمل في نواميس وقوانين ملكوت السماوات والأرض، وسخر في آيات كثيرة من التقليد الأعمى، واعتبر الناس الذين لا يستخدمون عقولهم كالحيوانات بل أضل سبيلاً .. وهذا المبدأ الإسلامي العظيم يتعارض مع ما جاء في الأديان الأخرى التي تقول بمبدأ "آمن ولا تسأل!"، حيث يعتبرون أن العقل والدين ضدان لا يجتمعان. وقد كان لهذا المبدأ أثره السلبي في تأخر المدنية وانحطاط الإنسانية في القرون الوسطى(18). ولا يخفى على من قرءوا التاريخ انحراف أوروبا الفكري والعقائديّ والسلوكي في تلك العصور الهمجيّة البهيميّة، حيث ممارسة سياسة تكميم الأفواه وتكبيل الأيادي بالحديد، وتقتيل العلماء وحرقهم بالنار!
وهكذا كانوا يفعلون مع مرضاهم العقليين والنفسانيين من أهل الحالات والاحتياجات الخاصة! إذ كان الاعتقاد السائد بأن الأرواح الشريرة تسكن في أجساد هؤلاء المرضى! وأن المرض العقلي والنفسي ما هو إلا نتاج ذلك الأمر، أو جراء لارتكاب خطيئة كبيرة، وأنه لا مناص ولا خلاص إلا بالتحريق والتعذيب!
هذا عدا عن الانحراف والشذوذ الذي كانت تعج به الأوساط الدينية والكنسية آنذاك، خاصة بين رجال الدين والكهنوت، ومن شايعهم من دعاة الفساد والاستبداد!
الإسلام والإرادة
والإسلام لا يكتفي بتحرير العقل الإنسانيّ من قيوده ليقف بالإنسان عند ذلك الحد. كلا، .. بل نراه من خلال فرائضه وتشريعاته العملية يسعى جاداً إلى تنمية خاصية الإرادة في الكيان الإنساني. ولكي يتحقق ذلك شرع الله تبارك وتعالى العبادات المختلفة من صلاة وصوم وزكاة وحج لتكون بمثابة الطاقة التي تدفع بالإنسان إلى الأمام في سبيل تحقيق ذاته وكمال صفاته، والترفع عن كل الصغائر والكبائر.
فإقامة الصلاة على سبيل المثال عدا عن أنها تبعث على السمو الروحي والترفع عن عمل كل ما هو فحشاء ومنكر ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾(19) تراها تعمل على تنمية "الإرادة الفاعلة"، والتي حالما انبعثت في النفس الإنسانية تراها تدفع بالإنسان إلى الأمام، لتنير له دربه، وتعينه على قطع مشوار هذه الحياة الدنيا. ويكفي الإنسان صلاحاً وخيرية أنه عندما تقوى له إرادته وتصبح في واقع حياته قوة فاعلة أنها تجعل له مما هو مكتسب ومخزون في أعماقه واعظاً ومرشدا لا يأمره إلا بخير [ إذا أراد الله بامرئ خيراً جعل له واعظاً من نفسه ](20). وهذا الوعظ والرشد الذاتيّ لا يكون لأحد إلا من بعد تمثل المفاهيم والقيم الإسلامية وهضمها عقلا عن كامل وعي وإدراك وإرادة وظاهر قلب.