يقف الإنسان في هذه الحياة بمقتضى الخلق والتكوين .. بين قوتين، تدفعه إحداهما إلى الشر (استجابة لبواعث الشر) بما ركب فيه من شهوة وغضب، وقد يشتط في سبيل ذلك حتى يستبيح انتهاك الأعراض، وسفك الدماء، وسلب الحقوق. وتدفعه الأخرى بما ركب فيه من عقل يعرف به الهدى من الضلال، والرشد من الغي، إلى الخير، فتدعوه إلى العدل والمساواة، والعطف والرحمة والإنسان أولاً وأخيراً مسؤول عن النتائج المترتبة على سلوكه، فهو يملك ما يملك من القوى والطاقات التي تؤهله لاختيار سواء السبيل عن غيره من السبل. ويكفيه خاصيتا الوعي والإدراك، وخاصيتا الإرادة والحرية في الاختيار ﴿قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾(11). ويقول تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾(12).
منهج الله واحد وإن تعددت الرسل والرسالات
وهدى الله منذ أن خلقت البشرية هو الإسلام وحده لا غيره، ومعناه الخضوع والاستسلام لله تعالى، والانقياد لأوامره ونواهيه وزواجره، خضوعاً واستسلاماً وانقياداً تاماً دون أن يشرك في ذلك أحد أين كان. فمن تبع منهاج الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة كان من المسلمين المؤمنين. ومن أعرض عن ذلك كان من الكافرين المعرضين، وكان من أهل الشقاء والضنك والخسران المبين.
والإسلام دين قيم ومنهاج من عند الله قديم قدم التاريخ البشري، والإنسان مطالب باتباع تعاليم هذا الدين القيم وهذا المنهاج الرباني المصدر ما دام يتمتع بقواه العقلية، وما دام واعياً ومدركاً، ويمتلك إرادة فاعلة، وحرية تؤهله للاختيار، وتحمل المسؤولية والتبعية في اتخاذ القرار.
ومنهاج الله الذي جاء به سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو منهاج الله الذي جاء به من قبل محمد من الأنبياء والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - أجمعين. وهذا ما عبّر عنه العلاّمة المودودي - رحمه الله - في كتابه "الدين القيم" عندما قال: "وهذا المنهاج .. الذي يعبر عنه القرآن "بالإسلام" .. ليس ذلك في نفس الأمر بدين مستحدث ظهر في بلاد العرب منذ أربعة عشر قرناً وقام بتأسيسه النبي العربي محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -. بل الأمر أن الله قد أعلم البشر بذلك يوم ظهروا على هذه الكرة الأرضية لأول مرة وعلمهم أن "الإسلام" هو المنهاج الصحيح الوحيد للنوع البشري في هذه الحياة الدنيا. والذين بعثوا من الأنبياء والرسل على فترات في مختلف العصور والأزمنة وفي مختلف البقاع والأمكنة وأرسلوا لهداية البشر مبشرين ومنذرين ما كانت دعوتهم جميعاً إلا إلى هذا الإسلام الذي بعث به أخيراً داعياً لكافة البشر، خاتمهم وأفضلهم سيدنا ومولانا النبي العربي الأمي، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم."
ثم يكمل قائلا: "ولا يقدح في ذلك ما فعله اتباع سيدنا موسى عليه السلام من بعده من تحريف الكلم عن مواضعه ومزج الحق بالباطل واختلاق نظام مستحدث مختلط بشتى الأهواء والآراء وتسميته باليهودية؛ وكذلك لا يضرّه ما ابتدعه النصارى من بعد نبيهم وما استحدثوه من نظام ديني جديد ونسبوه إلى السيد المسيح، صلوات الله عليه وسلامه، كذباً وزوراً. وأيضاً لا يضرّه في شيء ما فعلته أمم الهند والصين وبلاد فارس وغيرها من أنحاء المعمورة من مخالفتهم لما جاءت به الرسل والهداة في تلك الأقطار واجترائهم على ابتداع الديانات واستحداث نظم الحياة وخلط الحق بالباطل حسب ما اقتضته شهواتهم وأهوائهم. نعم! ليس هذا ولا ذاك بضائر .. لأن الدين الذي جاء به موسى وعيسى وبعث به غيرهما من الأنبياء والرسل لدعوة البشر إليه من الذين قصهم الله علينا أو لم يقصصهم لم يكن إلا "الإسلام" دين الله الخالص، لا غير"(13).