تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ولا يخفى على أحد منا - وكما سبق وأن بينا - ما صار عليه حال الإنسان في القرن الحاضر والماضي، في القرن العشرين والحادي والعشرين!! هذا الذي غرته انتصارات عقله وفتوحات علمه وعمله، فكان منه أن أهمل تربية روحه على حسن الصلة بالله، وتربية قلبه على حسن الخلق والطاعة والعبادة والالتزام بما هو من أمر الله.

فكون الإنسان مزدوج الطبيعة التكوينية، ومزدوج الاستعداد والاتجاه، فإنه ولا شك عرضة للاستجابة إلى ما يحيط به من ميراثٍ ومؤثرات خارجية مناهضة لطبيعته الخيّرة التي فطر عليها. فهو وان كان مستعداً للخير بفعل طبيعة الخير الكامنة والمركوزة في أعماق نفسه، إلا انه أيضاً في الوقت ذاته مستعداً للشر وعرضه له بفعل طبيعة الشر الموجودة والمركوزة في محيطه الذي يعيش فيه، حيث تتعدد منابعه ومصادره. ولا ينجو منه إلا من رحم الله.

وعلى الرغم من إلهام النفس الإنسانية معرفة الخير وتمييزه من الشر ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾(3)، إلا أنها تبقى بحاجة إلى تدعيم رباني المصدر والوجهة والغاية كي يعينها على تخطي مشوار هذه الحياة. وهنا تتجلى الحكمة الربّانية من إرسال الرسل والرسالات.

يقول الأستاذ العلاّمة محمود شلتوت - رحمه الله تعالى - في استعراضه لحاجة الإنسان إلى الدين: "يقف الإنسان في هذه الحياة بمقتضى الخلق والتكوين .. بين قوتين، تدفعه إحداهما إلى الشر ( استجابة لبواعث الشر ) بما ركب فيه من شهوة وغضب، وقد يشتط في سبيل ذلك حتى يستبيح انتهاك الأعراض، وسفك الدماء، وسلب الحقوق. وتدفعه الأخرى بما ركب فيه من عقل يعرف به الهدى من الضلال، والرشد من الغي، إلى الخير، فتدعوه إلى العدل والمساواة، والعطف والرحمة .. وعلى هذا لو ترك الإنسان ونفسه، تتجاذبه القوتان لما استطاع أن يحقق التوازن بينهما، ولغلب شره خيره، وفساده صلاحه، وتنعكس عندئذ حكمة خلقه وجعله خليفة في الأرض .. إذن لكي تتحقق الحكمة الإلهية في خلق الإنسان لا بد لقوة الخير في الإنسان من مدد يعينها ويقويها على سد منافذ الشر والطغيان، وعلى استخدام قوة الشهوة والغضب فيما يحفظ له نوعه وكيانه .. وليس من ذلك سوى الضمير الديني الذي يربط الإنسان بالرقيب الذي لا ينام وبالعالم الذي لا يجهل، وبالقوي الذي تؤمن الفطر بقوته"(4).

ويكفينا أن نعلم أن في هذا الدين غذاء العقل والقلب والروح الإنساني، بل فيه سلامة الأبدان وحفظها من كل مكره وألم وسوء.

ويقول العلاّمة، الأستاذ سيد سابق - رحمه الله - في بيانه وتبيانه لنفس الغرض ( الغرض من بعثة الرسل وإرسال الرسالات ): "والغرض من بعثة الرسل هو الدعوة إلى عبادة الله وإقامة دينه .. وبإقامة الدين، وعبادة الله، ينتظم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،كما تنتظم الأعمال الصالحة التي تزكي النفس الإنسانية، وتطهرها، وتغرس فيها الخير، لتبلغ الكمال المادي والأدبي في هذه الحياة، ولتستعد لكمال أرقى، وأبقى ( اليوم الآخر ). وهذه التعاليم العالية لا يمكن للبشر أن يصلوا إليها بعقولهم، وإنما يتعلمونها بوحي الله"(5).

إذن على الرغم من كمون الخير ووجوده في أعماق النفس البشرية. وقدرة الإنسان صاحب النفس على تمييز ذلك الخير من الشر. بل وحبه لذلك الخير، إلا انه مخلوق ضعيف بفعل الخلق والجبلة ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾(6). فهو إذن معرض لاتباع الهوى وما تميل إليه النفس عادة من شهوات وملذات، بفعل ما قد تبعث عليه وتنبه إليه مثيرات المحيط التي تلف بالإنسان، وما إلى ذلك من مؤثرات مختلفة قد تبعث على الشر والشره والطغيان. ومن هنا كان الإنسان بحاجة إلى منهاج يعينه على دربه في هذه الحياة الدنيا، دار البلاء والابتلاء. والإسلام ( دين الفطرة ) هو ذلك المنهاج الذي يتطابق مع فطرة الإنسان ومع طبيعته الإنسانية التي طبع عليها. كما أنه الدين الوحيد الذي يتلاءم ومكنونات النفس الإنسانية، والقادر على معالجة جميع جزئياتها وكلياتها.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٣٤