إن تاريخ أمة التوحيد المليء بالمفاخر والبطولات والأمجاد العطرة في البحث والعلم والتشييد والحفاظ على الحضارة الإنسانية في أبهى صورها، لم يكتسبه إلا من أنوار هذه الشريعة السمحة·
إن دستور أمة التوحيد منذ فجر تاريخ الإسلام يقوم على الثوابت الأصيلة من الكتاب والسنَّة، وما أصابنا من ضعف وتخاذل وهوان وتفرقة وهزائم متتالية هو نتيجة ابتعاد المسلمين عن دستورهم القويم الذي شرعه أحكم الحاكمين· (ألمر · تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) الرعد:1، (ألر· كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) إبراهيم:1·
إن عودة المجد والعزة والقوة والمنعة للمسلمين رهين بعودتهم قلباً وفكراً ووجداناً إلى الكتاب والسنَّة، وجعلهما مناراً لهم في سلوكهم وأخلاقهم وتعليمهم، وفي حياتهم الفكرية والثقافية والعلمية والاقتصادية، لأن شريعة الإسلام لم تهمل ذكر سبب من الأسباب يعين المسلمين على التطور والخروج من التخلف·
وما نرى الآن من تهافت على ما ينشره الغرب من آراء وأفكار يعدها بعضهم جديرة بالاهتمام لكونها قادرة على أن تسهم في إثراء الحضارة الإنسانية، ودعوة إلى الإيمان بها، وجعلها في الصدارة في تفكيرهم ومنهج حياتهم دون غربلتها لمعرفة ما فيها من صالح وطالح، وما تنطوي عليه من بذور الخير والشر·
هذا التهافت نراه نزوة عابرة لا تليق بالشباب المسلم الذي ينبغي أن يكون ركيزة وعماداً لهذه الشريعة السمحة، يثريها بفكره ووجدانه ومنهجه واجتهاده، ويسعى إلى طلب العلم بوعي كامل مما يأخذه، إن الإسلام في حقيقته وجوهر تعاليمه لا يعادي الآراء والأفكار والعلوم العقلية، بل يطالب بالانفتاح عليها ومناقشتها بالفكر النير، وبالحجة القاطعة والبيِّنة الواضحة، كما يطالبهم باقتباس ما يلائم روح الشريعة في صفائها وقدسيتها، وهذا ما فعله أسلافنا الذين بنوا حضارة زاهرة في مشرق الأرض ومغربها، أنقذت الإنسانية من الظلام والجهل والهمجية والتخلف الذي فتك بها طوال قرون عديدة·
إن العلوم المتجددة وبخاصة العلوم التجريبية والعقلية، وكذا الثقافة الحديثة بجميع فروعها وتشعباتها ينبغي أن تكون هدفاً ومقصداً للمجتمعات الإسلامية، وشباب هذه الأمة بخاصة مطالب بمسايرة تطور العصر، وبالتفتح على العلوم الحديثة، وبإتقان اللغات الأجنبية للاطلاع على أحوال الأمم الأخرى في فكرها ومنهجها وتعليمها، وما تحققه من تقدم في مجال العلوم الدقيقة، وكيف تنظر هذه الأمم إلى ديننا وفكرنا وحضارتنا· إن العلم بهذا يجعلنا نرد كل الاتهامات والأباطيل التي ينعتون بها الإسلام وحضارته·
أما إتقان اللغة العربية، والتعرف إلى خصائصها، فهو واجب وآكد على كل مسلم، لأنها لغة القرآن الكريم، ولغة التراث والحضارة العربية الإسلامية· والأمم التي تهمل لغتها تقتل، من دون أن تدري، جذورها وأصولها، وتصبح غير قادرة على الصمود والتحدي· ونحن نعرف أن مرحلة الحماية والاستعمار لدول العالم العربي والإسلامي في المشرق والمغرب كانت مرحلة القضاء على الدين والتاريخ والفكر، وتشويه الحضارة الإسلامية، وكان المستعمر يعلم أن تحقيق هذا الهدف لا يتم إلا بإضعاف اللغة العربية التي هي قوام الدين والفكر والتاريخ، ولولا ثلة من العلماء والرجال الأفذاذ الذين أدركوا أبعاد المستعمر الآنية والمستقبلية لكنا الآن نجهل أبسط الأشياء عن لغتنا وحضارتنا وفكرنا وتراثنا·
لقد أسس هؤلاء الرجال مدارس ومعاهد دينية جعلوا لغة التدريس فيها اللغة العربية مع تعميق البحث في العلوم الدينية، والتاريخ والحضارة والفكر الإسلامي، كما أسسوا مجلات ودوريات تعنى بإحياء التراث ونشره باللغة العربية· وبهذه الخطة الوطنية الواعية فشل المستعمر في تحقيق أهدافه، وبقي الدين سليماً من الشوائب، ونجت اللغة العربية من وهدة السقوط، وقُدِّر لها أن تستكمل مسيرتها في بناء حضارة الإسلام في مجال التأليف والبحث في العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة، كما أصبحت لغة المؤتمرات والندوات الدولية· والدول العربية التي تنعم باستقلالها الآن ينبغي أن تجعل حماية الدين واللغة والتراث هدفاً وغاية لها لأن المستقبل الواعد لهذا الشعوب يمر عبر إصلاح مناهج ونظم التعليم، وجعل اللغة العربية تساير التطور في البحوث العلمية الدقيقة·