تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن ما أدركه العقلاء وأصحاب الفضل من العرب الأوائل الذين فتح الله قلوبهم لهذا النور في بلاغته وبيانه وإعجازه وأسراره بسليقتهم وملكتهم وطبعهم، أدركه العلماء في عصور ازدهار البحث العلمي وانتشار حركة التأليف في علوم اللغة العربية وآدابها، وفي الفلسفة والفكر الإسلامي·

لقد وقف هؤلاء العلماء بالدراسة المتأنية والبحث الجاد، والمقارنة الدقيقة للأساليب على خصائص اللغة تركيباً ودلالة وتصويراً وصوتاً، فوجدوا لغة القرآن ألفت تأليفاً منسجماً في حروفها ومفرداتها ومخارج أصواتها، وأحكمت إحكاماً دقيقاً في معانيها ودلالتها وتصويرها ونسجها، فلا عوج ولا غموض ولا إبهام، ولا اضطراب ولا إسفاف ولا إحالة· وهذا هو السبب الذي جعل لغة القرآن الكريم ترتل بنغم موسيقي بديع، يريح النفوس، ويطمئن القلوب، وتتقبله الأسماع بارتياح، فينفذ إلى القلوب مثل الهواء العليل، ويحدث فيها مثل ما يحدث الماء في التربة الطيبة، وصدق رب العزة، وهو أصدق القائلين في قوله: (ألر· كتاب أحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير) هود:1·

ومن هنا نجد العلماء قد اجتهدوا في فترة مبكرة لبيان هذا السر الإلهي في قرآنه المجيد، وجعلوا آياته البينات في تركيبها ودلالتها مقياساً للرصانة والبهاء والجلال والوقار، يقتبس منه البلغاء لتحسين كلامهم، والعلماء لتوثيق حجتهم· قال السكاكي: >ولله در أمر التنزيل، وإحاطته على لطائف الاعتبارات في إيراد المعنى على أنحاء مختلفة بحسب مقتضيات الأحوال، ولا ترى شيئاً منها يراعى في كلام البلغاء من وجه لطيف إلا عثرت عليه مراعى فيه من ألطف وجوه<·(5)

وكلما تطورت العلوم الإنسانية، ومناهج البحث، وطرائق الكتابة والتأليف وبخاصة الأدب واللغة إلا ازداد العلماء اقتناعاً وإيماناً بسمو البيان القرآني، وعلو شأنه، وتفوقه على سائر ضروب الأساليب· وأسلوبه المعجز أصبح في عصرنا الحديث يخضع في دراسته وتحليله مثل سائر الأساليب لمنهج علمي يعتمد على التحليل الدقيق والمقارنة مع ضروب الأساليب، لملاحظة خصائصة التركيبية والدلالية المتميزة· ولم يعد أي أحد، وبخاصة الأسلوبيون، يرتاب في أن أسلوب القرآن جاء بالصفة التي وصفه الله سبحانه وتعالى بها، وهي سلامته من العوج والاضطراب والإسفاف·(6)

وكتاب الله بقدر ما اشتمل على هذه اللغة البيانية البليغة الفصيحة المحكمة المعجزة تركيباً ومعنى حتى أصبح مصدراً للبيان العربي الإسلامي، فإنه كتاب شرائع وأحكام وقوانين تهدي إلى الإيمان بالله الواحد الصمد، وتنظم علاقات الأفراد والجماعات في التعامل والسلوك، وتبني مجتمعاً متكاملاً في عقيدته وتفكيره على أساس العدل والمساواة بين جميع الطبقات، ولذلك كان كتاب الله ميداناً للدراسات الفقهية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، تنير للمسلمين جوانب كثيرة في حياتهم، وتهديهم إلى أفضل وسائل الإنتاج والإبداع والتميز والتفرد·

ولا يقدح في هذه الجوانب التي درسها العلماء إلا معاند أو جاهل أو جاحد، عميت بصيرته عن تتبعها لكشف أسرارها، فلذلك تجده يمعن في الإنكار ظاناً ـ عن جهل ـ أنه قادر على إطفاء نور الله بكلامه السقيم، وفكره القاصر، وإن من يبتعد عن قوانين هذه الشريعة السمحة، أو يهمل العمل بها، فإنه لا محالة يسير في طريق لا يرى فيها إلا ظلاماً وسديماً، ولا يسمع من حوله إلا طنيناً وضجيجاً، وأنَّى له أن يهتدي إلى الحق والخير والفلاح، وهو يشيح بوجهه عن نور أنقذ أمة من الضلال، وجعلها خير أمة أخرجت للناس·

إن دعاة الباطل والمدافعين عن الأهواء والنزوات والشعارات البعيدة عن روح الإسلام ومنهجه القويم لم يخل منهم زمان ومكان· أما في عصرنا الحديث فقد ملأ ضجيجهم كل مكان، واصفين شريعة الإسلام السمحة بسمات التخلف والجمود والرجعية لكي يوهموا شباب هذه الأمة أن سبب تخلف المسلمين كان نتيجة تشبثهم بأحكام شريعة كتاب الله التي لم تعد ـ كما يزعمون ـ تلائم تطور العصر، وما يعرفه من ثورة علمية وتقنية وفكرية تقتضي التخلص من كل ما هو قديم، وأخذ كل ما عند الغرب جملة وتفصيلاً· هذا الوهم السقيم، والفكر القاصر، والضلال البعيد، والافتراء الصريح، والجهل الأعمى بحقيقة الإسلام عقيدة وفكراً وسلوكاً لم يستطع أن ينفذ في عقول معظم شباب هذه الأمة، لأن بيدهم كتاباً منيراً أحكمت آياته، وسنَّة اشتملت على آداب وأخلاق وسلوك ومعاملات، وهما معاً يحضان المسلم على العمل والإنتاج والإبداع والتفكير في كل ما يفيد الأمة في العقيدة والحياة الدنيا، كما أن وراء هذا الشباب علماء أجلاء عرفوا مقاصد الشريعة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، فوهبوا حياتهم لشرح كتاب الله وسنَّة رسوله عليه السلام، وكشف أنوارهما الوهاجة، ووقفوا على سيرة الرسول الأمين، وما فيها من عبادة خالصة، واستقامة دائمة، وعمل صالح، وجهاد في سبيل الله عز نظيره، وصبر على المكاره، لتكون قدوة لشباب أمة الإسلام في العبادة والسلوك والمعاملات والبناء يرسون بها أسس مجتمعهم، وتدفعهم إلى مدارج الكمال والتطور الذي حض عليه ديننا الحنيف·

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٨