تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن الكرام فلا حي يعادلنا

منَّا الملوك وفينا تنصبُ البيعُ

فرد حسان على الوفد بقصيدة أبلغ من قصيدة شاعرهم، جعلت أحد أشرافهم يقر بأن شاعر الرسول أشعر من شاعرهم، وفي هذه الإشارة دلالة قوية على نصرة الإسلام بالكلمة بعد سقوط معاقل الشرك التي كانت تحاربه بالسيف والكلمة معاً· لكن كلمة الحق والإيمان والهدى التي جاء بها الإسلام كانت أقوى من ضلالهم وبهتانهم وكذبهم·

والقصيدة التي رد بها حسان، رضي الله عنه، على الوفد قال فيها:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم

قد بيَّنوا سنة للناس تتبع

يرضى بها كل من كانت سريرته

تقوى الإله، وبالأمر الذي شرعوا(1)

وكان حسان بمواقفه النبيلة وقوافيه المحكمة شاعر الدعوة الإسلامية بحق، وفارس حلبتها، والمعبِّر بصدق عن سماحة الإسلام، لأنه رد على الأعداء بسهام أنفذ من سهامهم حينما اشتد إيذاؤهم، وقوي شرهم قبل الفتح في معقل الشرك مكة· ولما أتمَّ الله نعمته على رسوله الصادق الأمين بفتح هذا المعقل، وأصبح الناس يدخلون أفواجاً في الإسلام طواعية وإيماناً بمبادئه السمحة، وشريعته المنقذة من الضلال، كان حسان ينشر فضائل الإسلام ومثله العليا، وقيمه السامية، وأخلاقه الفاضلة، وشريعته الربانية بين وفود القبائل التي قدمت إلى مكة، فحقق بلسانه ما لم تحققه السيوف والرماح، ونال من الأعداء ما لم تقدر عليه الجيوش الجرارة في ميدان القتال: >كان حسان يتولى في الدولة الإسلامية الناشئة عملاً جليلاً لا يقل خطره عن قيادة الجيوش المحاربة<(2)·

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العربي الفصيح الذي أوتي جوامع الكلم، يتأثر بالكلمة البليغة الطيبة، ويثني على البيان، وهو القائل: >إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً<·

وأخباره عليه الصلاة والسلام مع الشعراء وأصحاب البيان كثيرة، وكلها تدل على التأثر والإعجاب بقوة الكلمة البليغة· قيل: >إن قتيلة بنت النضر بن الحارث عرضت له ـ وهو يطوف ـ فاستوقفته، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه<، وكان قد قتل أباها، فقالت: فليسمعن النضر إن ناديته

أم كيف يسمع ميت لا ينطق

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه

لله أرحام هناك تشقق

قسراً يقاد إلى المنية متعباً

رسف المقيد، وهو عان موثق

أمحمد ها أنت ضئن نجيبة

من قومها، والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو مننت، وربما

من الفتى، وهو المغيظ المحنق

والنضر أقرب من قتلت وسيلة

وأحقهم إن كان عتق يعتق

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: >لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته<(3)·

إذا كان هذا هو حال العرب في البلاغة والفصاحة في مرحلة نزول الوحي على الرسول الأمين، فلا نستغرب أن يكون الكتاب المنزل على خير خلق الله أجمعين أبلغ من بلاغة العرب، وأفصح من فصاحتهم، ليكون حجة للرسول عليه الصلاة والسلام في عصر كان للخطباء والشعراء والفصحاء نفوذ وتأثير كبيرين في المجتمع· لقد نزل القرآن على أمة البيان بقوة تراكيبه، ومحكم بيانه، وصدق وعده ووعيده، وسمو حكمه، ودلالة مواعظه، وصدق أخباره وقصصه وغيبياته، ولم يستطع أصحاب البيان أن ينبسوا بكلمة واحدة، وعجزوا عجزاً مطلقاً في الرد، والحيرة بادية على وجوههم وهم يسمعون قرآناً عربياً مبيناً جاء بلسانهم يتحداهم ويطلب منهم الحجة والبيِّنة فيما يدعون وهم الذين كانت أقوالهم تسير بها الركبان، وتتردد في الأندية والمحافل، يباهون بها سائر الأمم· فقال لهم، عزَّ من قائل: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين· فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعدت للكافرين) البقرة:23 ـ 24·

هذا التحدي له دلالته القوية وسره الكبير في تثبيت العقيدة، لأن فيه تقريعاً فظيعاً واستخفافاً كبيراً بأصحاب العقول والجاه، وتطاولاً صارخاً على الذين لم يخلقوا إلا للكلمة والشجاعة والتحدي والمقارعة والمواجهة، كانوا يحيون من أجلها، ويتعلمها الخلف عن السلف، ويحرصون على استمرارها فيهم جيلاً بعد جيل حتى ضرب بهم المثل في البيان والشجاعة· ولا ريب أن بعض بلغائهم وفصحائهم أرادوا كسر هذا التحدي صيانة وحفظاً لمكانتهم، وقد فعلوا، لكنهم اكتشفوا ضعف محاولاتهم، وسخف كلامهم، فلم يعلنوه للناس لعلمهم أنه لم يبلغ سمو كلمة القرآن في حقيقتها ومجازها، وفي إيجازها وإطنابها، وإجمالها وتفصيلها، وتصريحها وكنايتها، وذكرها وحذفها، وإيمائها وإشارتها· والعقلاء منهم، سواء شعراء كانوا أو خطباء أو فصحاء أو حكماء، أدركوا هذه الحقيقة، فتفرغوا لتدبر آياته البينات، وفتحوا عقولهم وقلوبهم لهذا النور الذي شع ليزيل عنهم ظلمات الجهل، وينشر بينهم الأمن والود والسلام والمحبة، فهداهم الله إلى معرفة أسراره وبيانه وحكمه ومواعظه، وعملوا بتعاليمه في عبادتهم وشؤون حياتهم، فصلح حالهم في الدنيا، ولقوا الله، وهو راض عنهم، وأما الذين طمس الله على قلوبهم، وعميت بصيرتهم، فقد كانوا يهزأون بهذا النور بالرغم من علمهم كان كلام حق، وهداية إلى الخير والصلاح، وطريق إلى الفضائل والمثل والسلام فأمعنوا في الباطل والكذب، وجاهروا الرسول عليه السلام بقولهم: >قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، لا نفقه ما تقول، وفي آذاننا وقر، لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه، إننا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئاً<·(4) فحرموا من فضائله، وساءت أحوالهم في الحياة الدنيا والآخرة·

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٧