﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم﴾ (آية 35 سورة النور) وهنا يفيض النور الهادئ الوضيء ، فيغمر الكون كله ، ويفيض على المشاعر والجورح ، وينسكب في الخنايا والجوانح ، وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر ، وحتى تعانقه وترشفه العيون والبصائر ، وحتي تنزاح الحجب ، وتشف القلوب ، وترف الأرواح ، ويسبح كل شئ في الفيض الغامر ، ويتطهر كل شئ في بحر النور وبتجرد كل شئ من كثافته وثقله ، فإذا هو إنطلاق ورفرفة ولقاء ومعرفة ، وامتزاج وألفة ، وفرح وحبور.. وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود ، تتصل فيه السموات بالأرض ، والأحياء بالجماد ، والبعيد بالقريب ، وتلتقي فيه الشعاب والدروب ، والطوايا والظواهر والحواس والقلوب! ولقد استطاع البشر أخيراً أن يدركوا بعلمهم طرفاً من هذه الحقيقة الكبرى ، عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة -بعد تحطيم الذرة - إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور ، ولا مادة لها إلا النور! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون... كان يدركها كلما شف ورف ، وانطلق إلى آفاق النور! بيد أن الكيان البشري لا يقوى طويلاً على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما ولا يستشرف طويلاً ذلك الأفق البعيد.. ومن ثم يطالعنا ما يقارب مداه ، ويقربه إلى الإدارك البشري المحدود! ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾ ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ (آية 15-16 سورة المائدة) نبصر سبل السلام في الحياة كله ، ونحن نرى: سلام الفرد! وسلام الجماعة! وسلام الضمير! وسلام العقل! وسلام الجوارح! وسلام الأسرة! وسلام المجتمع! وسلام الإنسانية! والسلام مع الحياة! والسلام مع الكون! والسلام الذي لا تجده البشرية.. ولم تجده يوماً إلافي هذا الدين وإلا في منهجه ونظامه وشريعته ، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته ! حق ، إن الله يهدي بهذ الدين الذي رضيه ، من يتبع رضوان الله .. سبل السلام كله ، في هذه الجوانب جميعها! ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير ... وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهلية وأنظمتها وتخبطها في أوضاع الحياة! وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقية ، والجاهلية من حولنا تذيق البشرية الويلات... من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونا بعد قرون! ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخن ، ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبن ، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا.. بينما نملك الدخول في السلم الذي منحه الله لنا حين نتبع رضوانه ، ونرضى لأنفسنا مارضيه الله لنا! إننا نعاني من ويلات الجاهلية ، والإسلام منا قريب! ونعاني من حرب الجاهلية ، والإسلام في متناول أيدينا لو نشاء! فأية صفقة خاسرة ، هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير! وأية صفقة خاسرة ، هذه التي نشتري فيها الضلالة بالهدى ونؤثر فيها الحرب على السلام ؟! إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى العصور والألوان ... ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية ، قبل أن ننقذ نحن أنفسن ، وقبل أن نفيءإلى ظل السلام ، حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه! والجاهلية كلها ظلمات! وظلمة الشبهات والخرافات ، والأساطير والتصورات.. ظلمة الشهوات والنزوات والاندفاعات في التيه.. وظلمة الحيرة والقلق ، والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنموس... وظلمة اضطرات القيم وتخلخل الأحكام والموازين! والنور هو النور..النور في الضمير .. وفي العقل .... وفي الكيان... وفي الحياة! ونقرأ قول الحق تبارك وتعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (آية 9 سورة الإسراء) يهدي هكذا على وجه الإطلاق ، فيمن يهديهم ، وفيما يهديهم ، فيشمل الهدى أقواما وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان ، ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق ، وكل خير يهتدي إليه البشرفي كل رمان ومكان ، وجيل وقبيل! يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور ، بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض ، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء ، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق! ويهدي للتي هذ أقوم في التنسيق بين ظواهر الإنسان وباطنه ، وبين مشاعره وسلوكه ، وبين عقيدته وعمله ، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم ، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض ، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله ، ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة! ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء ، ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار ، ولا تتجاوز القصد والاعتدال ، وحدود الاحتمال! ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وشعوبا وحكومات ، ودولا وأجناس ، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى ، ولا تميل مع المودة والشنآن ، ولا تصرفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه .. وهو أعلم بمن خلق ، وأعرف بما يصلح لهم في كل زمان ومكان ، وفي كل جيل وقبيل ، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ، ونظام المال ، ونظام الإجتماع ، ونظام التعامل الدولي اللائق بالإنسان.
لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي