فهذا الثالث يجمع كل أنواع السعي والعمل. ما كان عبادة محضا، وما كان عادة أريد بها وجه الله تعالى، فالجانب المتعلق بأحوال الرعية والراعي، المطلوب إصلاحه واستصلاحه هو من اختصاصات هذا النوع، وذلك عن طريق:
- النصيحة، قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة. لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم).
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾.
- الدعوة والبلاغ، قال تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ..﴾.
- وقضاء حوائج الناس ورد المظالم عنهم، قال صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس عنه بها كربة من كرب يوم القيامة..).
فهذا هو العمل الإصلاحي القرآني، الذي يوازي العمل الديمقراطي بالإجمال، ويتفوق عليه في الأصول والتفصيلات والإحكام.
فإن كانت الانتخابات طريق تصحيح فساد الحكام، وجبرهم على الإصلاح، أو التنحي، فإن في منهج العمل الصالح الطريق أخصر من ذلك، فعلى العلماء، والدعاة، والمصلحين، والمفكرين واجب القيام بنصيحة الحاكم، إن هو أخل أو قصر، والاحتساب في الإنكار إن هو خالف أمرا صريحا.
والقيام بهذا العمل الصالح له أثر في الإصلاح، إن ثابر وصبر القائمون به، فإن كان ثمة تقصير، فالتقصير موجود في الديمقراطية، وقد أوجد حكاما مستبدين، وهم يحكمون وفق نظام ديمقراطي.
وإذا قيل: إن حد هذا المنهج ينتهي عند النصيحة، فلا قدرة على إلزام الحاكم المستبد بشيء.
قيل: إذا كان الأمر متعلق بإلزام الحاكم، فإن كثيرا من الديمقراطيات عاجزة عن لجم الحكام، ومنعهم من الافتئات والاستبداد، وهذه أمريكا وبريطانيا في حربهما على العراق مثال واضح، لأكبر وأعرق الديمقراطيات المستبدة في العالم. هذا مع كوننا نجد في تاريخنا الإسلامي صورا من قدرة بعض العلماء على إرغام الحكام على تنفيذ مطالب الإصلاح، بوسيلة النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بصبر، وثبات، وقوة؛ كقصة الإمام العز بن عبد السلام لما منع حاكم مصر من أخذ الأموال من الناس لجهاد التتر، إلا بعد أن يؤخذ من ماله ومال حريمه وأموال الأمراء.
وأكبر من ذلك؛ إذ أبطل بيعة حكام مصر، إذ كانوا في الأصل عبيدا مماليك، وحكم ببيعهم أولاً في سوق العبيد، حتى إذا قبضت أثمانهم، اعتقوا، فصحت إمامتهم، وقد كان ذلك، مع ما فيه من إهانة كبيرة لهؤلاء الحكام.
فدعوى أن الإصلاح لا يتأتى إلا بطريق ديمقراطي، ليس لها خطام ولا زمام، ونحن نرى هذه النصوص في الإصلاح، ونرى لها تطبيقات تند عن الحصر، وما آفة المسلمين اليوم إلا قلة وجود من يطبق هذه النصوص، ويعمل بها كعمل السابقين، ومن هنا فقد التطبيق المثالي للنهج القرآني للتغيير والإصلاح في الواقع، مع بقائه حيا شاهدا في التنزيل والتاريخ، ومع إمكان إحيائه في الواقع من جديد.
فالمهمة المطلوبة إذن: إنتاج، علماء، ودعاة، ومصلحين، ومفكرين يقومون بترجمة نصوص الإصلاح بصورة عملية. وكل حركة في اتجاه تصحيح الأوضاع، فهو من العمل الصالح، إذا لم يتعارض مع الأصول، وإنما رفضنا الديمقراطية لأنها تعارضت مع الأصل الأول للإصلاح وهو: عبادة الله وحده لا شريك له. ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾. والديمقراطية: حكم الشعب. وهذا هو الشرك.
وإلى جانب هذا العمل الصالح في حق الحاكم، نرى في الطريقة القرآنية: العناية الكبرى باستصلاح الرعية؛ إذ ليسوا بمعزل عن المشكلة، فليس الحاكم وحده المشكلة، إنما هو نتاج مشكلة عمت جميع الأمة، فكل يحتمل منها بقدره وقدر مسؤوليته، وإنما بزغ الحاكم في التحمل، كونه صاحب القدر الأعلى والمسؤولية العليا، فحسنته كبيرة، وسيئته كذلك.