تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب: هذا الاعتراض جاء من جهة أن النظام الديمقراطي وسيلة لتغيير الحكم، والحاكم.

أما النظام القرآني فهو وسيلة لتغيير ما في النفس، ليس نفس الفرد الواحد فحسب، بل الحاكم، والجماعة والأمة؛ أي استصلاح للجميع، ليكونوا أخيارا، ليحصل تغير الأحوال من النقمة إلى النعمة. وهذا التغير ليس من لازمه، ولا شرطا فيه، تغيير الحاكم، كلا، بل هو تغيير ما بالنفوس:

- فقد يكون الحاكم من ضمن من يغير ما بنفسه، فيصلح، وينقلب رحمة على الناس، كالنجاشي، وكثير من الملوك الذي أسلموا، أو صلحوا. وهذا أسهل الطرق وأقله تبعات.

- وإذا لم يتغير، فقد يأتي الفرج من هلاكه، كما قال موسى عليه السلام لقومه: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون﴾، وقد كان ذلك.

- أو يقيض الله تعالى للأمة من ينصرها ويؤيدها، من غيرها؛ حاكما أو قوما، كالأنصار مع المهاجرين. وهذان أشقها وتبعاتهما كثيرة.

ولأن صور التغيير، ليست محصورة في صورة واحدة مثل: تغيير الحاكم. فقد ترك القرآن ذكرها، ودل على الطريق لذلك، وبينه غاية البيان؛ إذ هو الجزء الأهم المتعلق بمبدأ الحساب والعقاب، بخلاف الجزء المتعلق بنوع التغيير الذي سيحصل، مثل تغير الحاكم، فلا يتعلق به حساب؛ فلا يحاسب الإنسان على الحاكم: كيف هو ؟. ولم لم يعمل على تغييره ؟.

إنما يحاسب على نفسه: هل زكاها ؟. وعمله: هل أحسنه ؟. وعن الناس ومنهم الحاكم: هل أدى إليهم النصيحة، والدعوة، وأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأحسن إليهم بشيء يقدر عليه ؟.

فمن هنا فارق الحل القرآني طريق النظام الديمقراطي؛ لأن هذا نشاطه ينحصر في العمل السياسي والحكم والسلطة، وأما ذاك فنشاطه يبدأ من تغيير النفس بالإصلاح والتزكية، ليمتد بعده إلى كافة النشاطات، بما فيها السياسي. وشتان ما بينهما:

فإنه لما كان هذا هو هدف القرآن، كانت الأمة الآخذة بهذا الطريق مرحومة، في نفسها، وفيما بينها. ينتشر فيها العدل، والأمن، والكفاية، والصلاح. وهذا تاريخ الخلافة الراشدة شاهد.

لكن لما كان هدف النظام الديمقراطي تغيير السلطة، وليس إصلاح النفس، كانت الأمة الأخذة به في أمر مريج، من اللغط، والخلاف، والخلط، وفيها من الفساد، والظلم ما لا ينكره أحد؛ لأن الإصلاح لم يتجه إلى الجذر والأصل، بل إلى الفرع.

فالمتبعون للحل القرآني، يقومون بما عليهم من التحقق بالشروط، وعنده ينتهي دورهم، ثم يأتي دور الثواب الإلهي، ومنه تغيير الحال إلى النعمة والرحمة، فقد يأتي سريعا، وقد يتأخر لحكمة إلهية؛ امتحانا، أو لخلل في الشروط، كما في هزيمة أحد:

- ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾.

فهذا التأخر ليس إخلافا: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾، لكن إعلاما للأمة والجماعة المؤمنة: أن مهتمهم تنتهي عند تحقيق الشروط. أما النتيجة فأمرها إلى الله تعالى، هو أعلم بوقتها، فربما تذهب الجماعة والأمة، ولما تر الثمرة، فالنبي يأتي وليس معه أحد، ثم يحصدها الجيل الآخر، كنور الدين زنكي جاهد لفتح القدس، وعمل لذلك ما لم يعمله أحد. وصنع منبرا للمسجد الأقصى، ومات ولم يحقق أمنيته، لكن جاء صلاح الدين بعده فحققها.

فما على المسلمين إذن إلا تحقيق ما أمروا به، ثم الباقي عند الذي له الرحمة الواسعة، والحكمة البالغة.

* * *

أما نعت هذا الطريق بطريق المتواكلين، أصحاب الأوراد والأذكار الصوفية، القاعدين عن العمل والسعي في الأرض: فمنشؤه سوء فهم لحقيقة العمل الصالح المذكور ضمن الشروط.!!.

فالشروط على ثلاثة أنواع:

- الأول: إصلاح الباطن ( = الإيمان بالله تعالى، والقسم العلمي في عبادة الله تعالى وحده).

- الثاني: الكف عن المناهي (= التقوى، والاستغفار).

- الثالث: إصلاح الظاهر (= العمل الصالح، والقسم العملي في عبادة الله تعالى وحده).

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ١٩