نعم، هناك ذكر للشورى، قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، غير أن الشورى ليس هو المشاركة السياسية الديمقراطية، فبينهما فرقان رئيسان:
- الأول: أن الشورى غير ملزمة، بخلاف المشاركة البرلمانية، فإنها ملزمة في حال الأغلبية.
- الثاني: أن الشورى من اختصاص الصفوة. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما شاور صحابته الكبار، ولم يشاور كل أحد، وهذا حصر لا يقبل في نظام المشاركة الديمقراطي.
أما التداول للسلطة فليس له ذكر في النصوص، كما أنه ليس فيها ذكر لطريقة انتقال السلطة من حاكم إلى آخر.
وفي الواقع التاريخي الإسلامي لا نجد أي تطبيق لتداول السلطة بالمفهوم الديمقراطي، منذ عهد الخلافة الراشدة إلى ما بعد ذلك؛ فالمتعارف عليه: أن الخليفة يبقى في منصبه حتى يتوفاه الموت. وفي حالات استثنائية: إما أن يعزل نفسه، أو يُعزل لعدم أهلية، بالرضا أو بالجبر، والنصوص دلت على هذا.
* * *
وهل عدم ذكر المشاركة والتداول في النصوص دليل على المنع منهما ؟.
عدم الذكر ليس دليلا على المنع في كل حال، فالسكوت في بعض الأحيان دليل الجواز، وفي أحيان أخرى دليل الحظر. وليس مفيدا في هذا البحث النظر من أي النوعين هو نظام المشاركة والتداول ؟.
فالمهم أنه لا يوجد ذكر لهما بالمفهوم الديمقراطي في النصوص الآنفة؛ وسيلة لحل المشكلات التي تجتاح الأمة: الظلم، والخوف، والفساد، والحاجة، والدمار، والتخلف. بل نجد غير ذلك، كما تقدم.
فهذا القدر يفيدنا أمرا مهما هو: أن الحل المذكور في النصوص هو الأمثل والأحسن؛ لأنه لولا كذلك لما ذكر في القرآن، وقد قال تعالى:
- ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾.
- ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾.
- ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾.
- ﴿ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾.
فلو فرض أن الحل المذكور في النظام الديمقراطي حسنا، لكان الحل القرآني أحسن وأجدر؛ لأنه مذكور في القرآن، وذاك لم يذكر. فلم يكن ليترك ذكره، وهو الأحسن، وإلا لكان القرآن مقصرا في هدايتنا للتي هي أقوم وأحسن، ولم يكن أحسن قولا، وحكما، وحديثا. وحاشاه ذلك.
ومما يدل على أنه ليس بالأحسن: أن يرد ذكر ما هو قريب منه، في بعض المعنى، وهو: الشورى. ثم لا يعرج عليه، ولا يذكر.
ثم يأتي الخلفاء الراشدون، يتداولون الخلافة بينهم، لا يلتفتون إلى المشاركة العامة (="الانتخابات)،" ولا إلى التداول، بل المشورة في الخاصة، في أهل الحل والعقد، وانتقال السلطة بالموت، ليس بالمُدد.
والجميع مسلم لطريقة الحكم، وانتقال الحكم، من الخاصة والعامة، وبذلك يقع إجماع القرون المفضلة، ومن بعدهم عبر القرون على هذه الصيغة الحكمية، ولم يكن لتجتمع الأمة على ضلالة أبدا.
إن هذا لهو القصص الحق، وما من ديمقراطية في الإسلام. وقد مضى بحث هذا، فلا يعيدنها قائل ليقول: إن حلنا الديمقراطي، أو الانتخابي هو قرآني، إسلامي، سنة راشدة.!!.
* * *
والديمقراطيون بين أمرين:
- التصديق بالحل القرآني، وحينئذ يلزمهم ترك الحل الديمقراطي، أو في الأقل عدم حصره فيه.
- أو التكذيب به، وهذه مشكلة عقدية كبرى.
ومن صدق بالحل القرآني، ثم أصر على حصر الحل في الديمقراطية، فإما أنه يحتاج إلى زيادة تعلم، أو إزاحة غفلة أصابته جراء صدمة حضارة غربية، وهناك من هؤلاء من يتطلع للمشاركة في السلطة.!!.
والناس في عمومهم لا يطلبون سوى تلك الضرورات، فبأي طريقة تحصلت رضوا.
وهنا يعترض من يقول: سير الإصلاح في النظام الديمقراطي واضح، بالانتخابات، ثم البرلمان، ثم الأغلبية، والمحاسبة، والتشريع، وتداول السلطة. لكنه في الحل الذي ذكرتم شيء غامض ؟!.
فكيف يحصل التغيير، فثمة فجوة بين الشروط المذكورة وحصول الوعد؛ فالإتيان، بالإيمان والتقوى، والعمل الصالح، وعبادة الله وحده لا شريك له، والاستغفار. ليست في العادة وسيلة ملموسة لتغيير الحكم أو الحاكم، بل هي أشبه بمتواكلين، ينظرون ما يأتي من الخير والفتح، ولا يتقدمون إليه بشيء سوى الأوراد، والأذكار، والصلوات ؟!.